الحلقة 30: صدمة بوسطن.. نكتة الرصيد المنتهي، سقوط الحلم أمام فرنسا وكواليس يوم الهزيمة
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الخميس09 يوليوز – يوم الموقعة الحاسمة في ربع النهائي
أشرقت شمس بوسطن على يوم مختلف تماما عن كل الأيام التي عشناها في هذه الرحلة. يوم مواجهة فرنسا، يوم ربع النهائي، ويوم كان الجميع يتمنى أن يكون محطة جديدة في المسار التاريخي للمنتخب الوطني.استيقظنا في وقت مبكر، وسط حالة من الاستنفار والترقب. كل شيء كان مبرمجا بدقة، من موعد المغادرة إلى الترتيبات الخاصة بالوصول إلى الملعب، بينما كان الحديث بين الزملاء لا يخرج تقريبا عن المباراة.
نكتة "إنتهاء رصيد الإنترنت"
حرصا على تفادي الازدحام في الطريق المؤدي إلى الملعب، وجه المنسق يوسف بصور رسالة إلى أعضاء الوفد الصحفي، حدد فيها موعد المغادرة: "الزميلات والزملاء الكرام. نظرا لبعد المسافة بين فندق إقامتنا وملعب بوسطن الذي يحتضن مباراة المغرب ضد فرنسا، سنغادر الفندق بحول الله على متن الحافلة متوجهين إلى الملعب في تمام الساعة 12:00، علما أن المسافة بين الفندق والملعب تناهز ساعة في الظروف العادية وتتعداها في حالة الاختناق المروري."
وفي صباح المباراة، وقبل أن نتحرك، حدث أمر طريف تحول إلى مادة للسخرية بين الزملاء.
اكتشف عدد كبير من الصحفيين المغاربة أن رصيد الإنترنت في هواتفهم انتهى تقريبا في التوقيت نفسه. في بهو الفندق، تعالت الضحكات، وبدأت التعليقات الساخرة:"يبدو أنها إشارة بأن رحلتنا في هذا المونديال ستنتهي اليوم!".
ضحكنا جميعا، وتعاملنا معها باعتبارها مجرد صدفة ونكتة صباحية. لم يكن أحد يتخيل أن الجملة ستعود إلينا بعد ساعات، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة تماما.
من يقين التداريب إلى الحلم الكبير
في تمام الساعة الثانية عشرة، ركبنا الحافلة باتجاه الملعب.
كان التفاؤل حاضرا بقوة. لم يكن مجرد حماس يسبق مباراة كبيرة، بل كان مبنيا على ما تابعناه خلال الأيام السابقة، وعلى الصورة التي تركها المنتخب في مبارياته الماضية.
كنا قد شاهدنا الانضباط في التداريب، والتكتم على التفاصيل التكتيكية، والجدية الكبيرة داخل المجموعة. لذلك كنا نعتقد أن المنتخب قادر على تقديم مباراة كبيرة أمام فرنسا، كما فعل أمام منتخبات قوية في الطريق، وعلى رأسها البرازيل وهولندا.
كانت الثقة كبيرة، والحلم أكبر.
«Gillette Stadium».. لحظة اصطدام الحلم بالواقع
عند وصولنا إلى الملعب، كانت الأجواء استثنائية.
المدرجات امتلأت بالجماهير المغربية والفرنسية، والأعلام والأهازيج أعطت المكان طابعا موندياليا خاصا. كل شيء كان يوحي بأننا أمام موعد سيبقى في الذاكرة.
لكن مع صافرة البداية، بدأ السيناريو الذي لم يكن أحد يتوقعه.
لم يظهر المنتخب بالشكل الذي اعتدنا عليه. بدا الارتباك واضحا. وغابت الجرأة التي ميزت مبارياته السابقة. ومع مرور الدقائق، أصبح من الصعب تجاهل تفوق المنتخب الفرنسي وسيطرته على مجريات اللقاء.
من مقاعد الصحافة، كنا ننتظر ردة فعل مغربية تعيد التوازن إلى المباراة، لكن ذلك لم يحدث.
انتهى اللقاء بنتيجة 2-0 لفرنسا، وانتهى معه حلم الوصول إلى نصف النهائي.
كانت لحظة قاسية. ليس فقط لأن المنتخب خسر، ولكن لأن الهزيمة جاءت في مباراة كنا نعتقد، حتى قبل بدايتها، أن المنتخب قادر على خوضها بطريقة مختلفة.
بعد الصدمة.. أسئلة أكثر من الأجوبة
في المنطقة المختلطة والندوة الصحفية، كانت علامات الإحباط واضحة على اللاعبين والطاقم التقني.
تحدث البعض عن الإرهاق وكثرة التنقلات وضغط المباريات، وهي عوامل كانت حاضرة فعلا في رحلة طويلة وشاقة، لكن بالنسبة لنا، كصحفيين تابعنا المنتخب يوما بيوم، بقي السؤال الأكبر: لماذا لم يظهر المنتخب أمام فرنسا بالشخصية نفسها التي أظهرها في مباريات سابقة؟
لم تكن هناك إجابة واحدة قادرة على تفسير كل ما حدث خلال 90 دقيقة.
ومع مرور الساعات، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر تتداول شائعات وتأويلات تتحدث عن "تفويت" المباراة أو وجود اتفاقات خلف الكواليس.
لكن ما عشناه نحن في الميدان لا يقدم أي أساس لهذه الروايات.
خلال الأيام التي سبقت المباراة، تابعنا التحضيرات، التداريب، الاجتماعات الإعلامية، والتنقلات، ولم نر ما يبرر مثل هذه الادعاءات. أما ما حدث في الملعب، فكان واضحا أمام الجميع: المنتخب لم يقدم مستواه المعتاد، وفرنسا كانت أفضل واستحقت التأهل.
نهاية الحلم.. وبداية حسابات العودة
بعد صافرة النهاية، تغير كل شيء في لحظات.
قبل ساعات فقط، كنا نتحدث عن نصف النهائي، وعن إمكانية مواصلة الحلم، وعن الأيام الإضافية التي كنا نتمنى أن نقضيها في الولايات المتحدة.
الآن، أصبح الحديث مختلفا تماما، متى نعود؟ كيف ستكون الرحلة؟ وما الذي سنكتبه عن هذه التجربة التي امتدت لأسابيع؟
حتى نكتة "انتهاء رصيدنا من الإنترنت" التي ضحكنا عليها صباحاً عادت إلى الأذهان.
كان الرصيد قد انتهى فعلا... والحلم أيضا.