قصة المونديال كما عشتها لا كما شاهدتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى. كأس العالم ليس فقط تلك التسعين دقيقة التي نتابعها على الشاشات، ولا الأهداف التي نحتفل بها أو الفرص التي نتحسر عليها. هناك مونديال آخر لا تلتقطه كاميرات النقل التلفزيوني. مونديال يبدأ قبل صافرة البداية، ويستمر بعد صافرة النهاية.
الأربعاء 10 يونيو – الجمعة 12 يونيو
في نيويورك، لا يمنحك كأس العالم وقتاً لالتقاط الأنفاس. بالكاد رتبنا حقائبنا في فندق "شيراتون"، حتى وجدنا أنفسنا وسط برنامج لا يتوقف، حيث لكل ساعة موعد، ولكل يوم قصة جديدة.لكن قبل أن نصل إلى الملاعب، كانت المفاجأة الأولى في انتظارنا.
في قلب "تايمز سكوير"، حيث تجتمع ثقافات العالم، بدا وكأن قطعة من المغرب انتقلت إلى نيويورك. الأعلام الوطنية ارتفعت في كل مكان، والهتافات المغربية كانت تتردد بين ناطحات السحاب، بينما تجمع المئات من المشجعين الذين قدموا من ولايات أمريكية مختلفة، ومن كندا وأوروبا، وحتى من المغرب، لمساندة المنتخب الوطني.
وقفت وسط تلك الأجواء أراقب المشهد، وشعرت أن كأس العالم لا يلعب داخل الملاعب فقط، بل أيضافي الشوارع، حيث يصنع الجمهور أجمل الحكايات.
الخميس... عندما أنقذتنا الخطة البديلة
كان الخميس 11 يونيو أول اختبار حقيقي لنا مع التنقل بين نيويورك ونيوجيرسي.
توجهنا صباحاً نحو الحصة التدريبية المفتوحة للمنتخب المغربي، لكن الازدحام المروري كان أكبر مما توقعنا. تحركت الحافلة ببطء شديد، وكل دقيقة تمر كانت تقلص فرصتنا في الوصول قبل نهاية الحصة.
وعندما وصلنا، كانت التداريب قد انتهت.
شعرنا بخيبة أمل للحظات، لكن العمل الميداني يعلمك دائماً أن تبحث عن البديل، لا أن تتوقف عند ما فاتك.
قررنا التوجه مباشرة إلى فندق إقامة المنتخب المغربي، الذي كان قريبا من ملعب التداريب، حتى ان يوسف حجي احد مساعدي الناخب الوطني كان اول الواصلين الى الفندق بعدنا قرر التوجه جريا على الاقدام، وهناك (امام باب الفندق) وجدنا عشرات المشجعين ينتظرون وصول اللاعبين يتقدمهم المخضرم ظلمي. بعضهم جاء من ولايات بعيدة، وآخرون سافروا من كندا وأوروبا، وكان بينهم أيضاً مشجعون شدوا الرحال من المغرب فقط ليعيشوا هذه اللحظات مع المنتخب.
تحولت خيبة ضياع الحصة التدريبية إلى فرصة أخرى.
أخرجنا الكاميرات والميكروفونات، وأجرينا لقاءات مع المشجعين، واستمعنا إلى قصصهم، ثم وثقنا لحظة وصول حافلة المنتخب وسط أهازيج لم تتوقف. في تلك اللحظة، كان واضحاً أن الجماهير المغربية ليست مجرد داعم للمنتخب، بل جزء أساسي من حكايته.
الجمعة... هدوء يسبق المواجهة
كان يوم الجمعة يحمل طابعاً مختلفاً. المباراة أمام البرازيل أصبحت على بعد ساعات فقط، وكل شيء داخل المعسكر يوحي بأن لحظة الحقيقة اقتربت.
تابعنا الحصة التدريبية الأخيرة المفتوحة أمام وسائل الإعلام، ثم انتقلنا إلى الندوة الصحفية الرسمية، حيث حضر الناخب الوطني محمد وهبي إلى جانب عميد المنتخب أشرف حكيمي.
تحدث وهبي بهدوء وثقة، في وقت بدا فيه حكيمي واثقاً من المجموعة، مؤكداً أن المنتخب المغربي جاء إلى كأس العالم للمنافسة أمام جميع المنتخبات، مهما كان اسمها أو تاريخها.
خرجنا من الندوة ونحن نشعر بأن اللاعبين يعيشون تركيزاً كبيراً، وأن الجميع يدرك حجم المباراة التي تنتظرهم.
بين نيويورك والدار البيضاء... فريق واحد
عندما كنا نعود إلى الفندق في نهاية اليوم، لم يكن عملنا قد انتهى. كانت تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن العمل داخل الملعب.
نراجع الصور، نحرر الفيديوهات، نرسل التصريحات، ونبث النقل المباشر من قلب الحدث، حتى تصل المعلومة إلى المتابع المغربي في أسرع وقت.
لكن ما كان يظهر للجمهور لم يكن سوى نصف الصورة.
في الدار البيضاء، كان زملاؤنا في هيئة التحرير، إلى جانب فريق Community Managers، يتابعون كل ما نرسله لحظة بلحظة. كانوا يستقبلون المواد، يراجعونها، يهيئونها للنشر، ويتولون نشرها على الموقع ومنصات التواصل الاجتماعي في وقت قياسي.
كنا في نيويورك، وهم في الدار البيضاء، لكننا كنا نعمل كأننا داخل قاعة تحرير واحدة.
ذلك التنسيق اليومي جعل "لوماتان سبورت" حاضراً باستمرار في قلب الحدث، وأكد لنا أن نجاح أي تغطية كبرى لا يصنعه الموفد الموجود في الميدان وحده، بل يقف وراءه فريق كامل يعمل بصمت حتى تصل الصورة والخبر إلى القارئ في اللحظة المناسبة.
وفي تلك الليلة، بينما كانت أضواء "تايمز سكوير" تملأ المكان، كان تفكيرنا كله منصباً على موعد السبت... اليوم الذي سيواجه فيه المنتخب المغربي نظيره البرازيلي في واحدة من أبرز مباريات الدور الأول. وهي المباراة المفتاح..