قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
الحلقة 3: يوم البرازيل... عندما أكد الأسود أنهم جاؤوا للمنافسة

السبت 13 يونيو – يوم المباراة

استيقظنا على وقع يوم مختلف عن كل الأيام السابقة.

رغم أن أجسادنا لم تتأقلم بعد بشكل كامل مع فارق التوقيت بين المغرب والولايات المتحدة، فإن الحديث عن مواجهة البرازيل كان كافياً ليبدد كل شعور بالإرهاق. كان الجميع يدرك أن هذا اليوم سيكون محطة مفصلية في مشوار المنتخب، وأنه سيكون أيضاً اختباراً حقيقياً بالنسبة إلينا كصحافيين.

المباراة كانت مبرمجة في السادسة مساءً بتوقيت نيويورك، لذلك قررنا، منذ الصباح، أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات.

درس الخميس... غيّر خطتنا

بعد التجربة الصعبة التي عشناها قبل يومين بسبب الازدحام المروري، اتخذنا قراراً بالتحرك مبكراً نحو ملعب نيوجيرسي.

غادرنا الفندق حوالي الواحدة بعد الزوال، وكان القرار في محله. فكلما اقتربنا من الملعب، كانت حركة السير تزداد كثافة، والسيارات تتقدم ببطء وسط أفواج الجماهير المغربية والبرازيلية.

كان اللون الأصفر يطغى على المشهد، لكن الأعلام المغربية كانت حاضرة بقوة، والأهازيج التي يرددها المشجعون المغاربة كانت تسمع في كل مكان. شعرت حينها بأن المنتخب لن يكون وحيداً في هذه المباراة.

وصلنا إلى محيط الملعب قبل فتح أبواب المركز الإعلامي، فاستغللنا الوقت كما يفعل أي صحافي في الميدان.

برفقة زميلي أمين الرعد وسفيان الرافيعي، أنجزنا بثوثاً مباشرة، وصورنا أجواء الجماهير، وأجرينا لقاءات مع عدد من الصحافيين الأجانب الذين تحدثوا بإعجاب عن الحضور المغربي، سواء من حيث العدد أو الحماس.

تنظيم لم يكن في مستوى الحدث

بعد دخولنا إلى المركز الإعلامي، لفت انتباهنا حجم المنشآت والإمكانات التي وفرتها "فيفا"، لكن على المستوى التنظيمي كانت هناك ملاحظات عديدة.

كان الوصول من المركز الإعلامي إلى المنصة المخصصة للصحافة يتطلب قطع مسافة طويلة، وهو ما كان يشكل تحدياً بالنسبة للصحافيين الذين يحتاجون إلى التنقل بسرعة بين مختلف المرافق.

أما أكثر ما أثار استغرابنا، فهو أن المدرجات المخصصة للإعلام كانت ملاصقة للجماهير، بل كانت هي نفسها المخصصة للمشجعين، من دون أي فصل حقيقي يضمن للصحافي ظروفاً مناسبة للعمل والتركيز. وقد تسبب ذلك في بعض التشنجات والمشادات الكلامية بين عدد من الصحافيين المغاربة وبعض الصحافيين الأجانب، خصوصاً في اللحظات الحاسمة من المباراة، حيث كان كل طرف يحاول أداء عمله وسط أجواء جماهيرية صاخبة لا تناسب إطلاقاً بيئة العمل الإعلامي.

قد يبدو الأمر بسيطاً بالنسبة للمشجع، لكنه بالنسبة للصحافي الذي يكتب وينقل الأخبار لحظة بلحظة، يشكل تحدياً حقيقياً.

تسعون دقيقة من الفخر

بمجرد انطلاق المباراة، نسينا كل ما سبق.

على أرضية الملعب، قدم المنتخب المغربي واحدة من أفضل مبارياته. كان اللاعبون منظمين، واثقين، وشجعان في مواجهة منتخب يضم نجوماً عالميين ويقوده المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي.

ومع مرور الدقائق، بدأ الإحساس يتسلل إلينا بأن المغرب قادر على تحقيق أكثر من مجرد نتيجة إيجابية.

خلق الأسود فرصاً عديدة، وفرضوا شخصيتهم على المباراة، حتى إننا، من منصة الصحافة، شعرنا بالحسرة على بعض الفرص التي كانت كفيلة بتحقيق فوز تاريخي.

انتهت المباراة بالتعادل (1-1)، لكنه كان تعادلاً بطعم الانتصار بالنسبة للمغرب، وبطعم الخيبة بالنسبة للبرازيل.

ما بعد صافرة النهاية

مع إطلاق الحكم صافرة النهاية، انقسمت مهامنا كما يحدث بعد كل مباراة كبيرة.

توجهت رفقة زميلي أمين الرعد إلى قاعة الندوات الصحفية لمتابعة مؤتمري محمد وهبي وكارلو أنشيلوتي، بينما توجه سفيان الرافيعي إلى المنطقة المختلطة لإجراء تصريحات مع اللاعبين.

لكن ما بدا بسيطاً على الورق تحول إلى رحلة حقيقية داخل الملعب. فبسبب سوء التنظيم، ووجود عدد من المتطوعين الذين لم يكونوا على دراية بمسارات التنقل أو أماكن المرافق الإعلامية، تلقينا توجيهات متضاربة أكثر من مرة. وفي النهاية وجدنا أنفسنا نقطع محيط الملعب بالكامل تقريباً، في مسار استغرق أكثر من 25 دقيقة قبل أن نصل إلى قاعة الندوات الصحفية.

في تلك اللحظة، أدركنا أن المشكلة لم تكن في بعد المسافات فقط، بل أيضا في غياب التنسيق والمعلومة الدقيقة لدى بعض المتطوعين، وهو ما أضاع على كثير من الصحافيين وقتاً ثميناً بعد نهاية المباراة، وهي الفترة الأكثر حساسية بالنسبة لأي تغطية إعلامية.

بعد انتهاء الندوة، كان علينا أن نعود مجدداً إلى الحافلة التي ستقلنا نحو الفندق.

كنا متعبين، لكن ذلك التعب بدا مختلفاً هذه المرة.

في الطريق، بدأ كل واحد منا يراجع صوره، ويكتب ملاحظاته، ويرسل مواده إلى فريق "لوماتان سبورت" في الدار البيضاء، حتى تصل الأخبار إلى المتابعين في أسرع وقت.

في تلك الليلة، لم يكن الشعور السائد بين أفراد الوفد الإعلامي هو الرضا عن التغطية فقط، بل كان هناك إحساس أكبر من ذلك...

إحساس بأن المنتخب المغربي لم يأت إلى كأس العالم ليشارك فحسب، بل جاء ليؤكد، أمام الجميع، أنه أصبح رقماً صعباً في كرة القدم العالمية.

الحلقة المقبلة: ليلة لم تنم فيها نيويورك