الأحد 14 يونيو – المساء
بعد يوم طويل في نيوجيرسي، عدنا إلى مانهاتن ونحن نشعر أن أجسادنا استنفدت كل طاقتها.كانت الحصة التدريبية الصباحية قد انتهت، ومع اقتراب موعد مغادرة الوفد الإعلامي نحو بوسطن صباح اليوم التالي، قررنا استغلال الساعات القليلة المتبقية لاكتشاف جانب آخر من نيويورك، بعيداً عن الملاعب والندوات الصحفية.
كانت فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس قبل أن تبدأ محطة جديدة من الرحلة.
تايمز سكوير... مدينة لا تهدأ
وجدت نفسي أعود مرة أخرى إلى "تايمز سكوير ".
رغم أنني كنت أبحث عن أماكن جديدة، فإن لهذه الساحة قدرة غريبة على استقطاب زوارها. في كل مرة تمر منها، تكتشف شيئاً مختلفاً.
الشاشات العملاقة تملأ المكان بالألوان، وسيارات الأجرة الصفراء لا تتوقف، وأصوات المارة والموسيقى تمتزج مع صفارات الشرطة، لتشكل المشهد اليومي لمدينة لا تعرف الهدوء.
وقفت أراقب ذلك الإيقاع السريع، وأدركت أن نيويورك مدينة لا تمنحك فرصة للملل، حتى عندما تكون متعباً.
المغرب حاضر في كل مكان
وسط هذا الزخم، كان الحضور المغربي واضحاً، أعلام حمراء ترفرف، وقمصان المنتخب الوطني تظهر بين الحشود، ومشجعون يلتقطون الصور وهم يرددون أسماء اللاعبين.
لكن أكثر ما لفت انتباهي، هو رؤية أشخاص من جنسيات مختلفة يرتدون قميص المنتخب المغربي.
تحدثنا مع بعضهم، فأكدوا أنهم أصبحوا يتابعون المنتخب منذ مونديال قطر، وأنهم أعجبوا بالشخصية التي يقدمها داخل الملعب، وبالروح القتالية التي تميز لاعبيه.
شعرت حينها بأن المنتخب المغربي لم يعد مجرد منتخب يمثل بلداً، بل أصبح قصة يتابعها كثيرون حول العالم.
أستوريا... حيث تشعر أنك قريب من الوطن
بعد ذلك، توجهنا إلى حي "أستوريا" في منطقة كوينز، الذي يعد من أكثر الأحياء التي تحتضن الجالية العربية والمغربية.
بمجرد أن وصلنا، شعرنا بأن الأجواء تختلف عن وسط مانهاتن.
اللغة العربية حاضرة في المحلات، واللهجة المغربية تسمع في أكثر من مكان، ورائحة الشاي بالنعناع والطاجين تنبعث من المطاعم والمقاهي.
هناك التقينا بعبد الكريم، أحد أبناء الجالية المغربية، الذي اختار أن يعرف الأمريكيين بالمطبخ المغربي من خلال مشروعه الخاص.
استقبلنا بابتسامة عريضة، وجلس يحدثنا عن سنوات الغربة، وعن سعادته كلما دخل مغربي إلى مطعمه، أو عندما يرى زبوناً أمريكياً يتذوق الكسكس أو الطاجين لأول مرة ويعجب به.
كان يتحدث عن الأكل، لكنه في الحقيقة كان يتحدث عن الوطن.
في تلك الجلسة، شعرت أن المطعم لم يكن مجرد مكان لتقديم الوجبات، بل مساحة يلتقي فيها المغاربة، ويتبادلون الأخبار والذكريات، ويخففون شيئاً من حنينهم إلى بلدهم.
قبل محطة جديدة
مع حلول المساء، عدنا إلى الفندق استعداداً لحزم الحقائب، في صباح اليوم التالي، كنا سنغادر نيويورك في رحلة برية نحو بوسطن، حيث تنتظر المنتخب المغربي محطة جديدة في مشواره بالمونديال، وتنتظرنا نحن أيام أخرى من العمل والتنقل.
غادرنا شوارع نيويورك تلك الليلة ونحن نحمل معنا أكثر من صور وفيديو.
حملنا شعوراً جميلاً بأن المغرب حاضر حتى على بعد آلاف الكيلومترات من حدوده؛ في علم يرفرف وسط "تايمز سكوير"، وفي قميص يرتديه مشجع أجنبي، وفي فنجان شاي بالنعناع يقدمه مغربي بابتسامة صادقة في أحد أحياء كوينز.
كانت ساعات قليلة بعيداً عن ضغط التغطية، لكنها كانت كافية لتذكرنا بأن الوطن لا يقاس بالمسافات، بل بالأشخاص الذين يحملونه معهم أينما ذهبوا.
الحلقة 7: في تايمز سكوير... كيف تُصنع "العفوية" على مواقع التواصل؟