قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها


الحلقة 7: في تايمز سكوير... كيف تُصنع "العفوية" على مواقع التواصل؟

المساء في قلب مانهاتن، قررت أن أبتعد قليلاً عن ضغط التغطية اليومية، وأن أتنفس بعيداً عن الميكروفون والكاميرا و"الديدلاين".

وكعادتي كلما سنحت الفرصة، وجدت نفسي متجهاً نحو تايمز سكوير، القلب النابض لنيويورك.

في هذا المكان، تشعر وكأن العالم كله اجتمع في ساحة واحدة. آلاف الزوار، عشرات اللغات، شاشات عملاقة لا تنطفئ، وحركة لا تهدأ.

لكن أكثر ما شد انتباهي لم يكن الزحام، بل العدد الكبير من صناع المحتوى والمؤثرين الذين حولوا الساحة إلى استوديو مفتوح. كأس العالم لم يعد مجرد حدث رياضي، بل أصبح أيضاً موسماً لصناعة المحتوى، والتنافس على الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدات.

وراء الكاميرا... الصورة مختلفة

وسط الساحة، لفتت انتباهي شابة تحيط بها مجموعة كبيرة من المصورين وفريق إنتاج كامل. في البداية لم أكن أعرف من تكون، لكن طريقة عمل الفريق أثارت فضولي.

كانت اللقطات تُعاد أكثر من مرة، والزوايا تُغيّر باستمرار، والفريق يناقش كل تفصيل قبل التصوير وبعده. بالنسبة للمشاهد الذي سيرى الفيديو لاحقاً، سيبدو كل شيء عفوياً، لكن من يقف على بعد أمتار قليلة يدرك حجم العمل الذي يسبق تلك الثواني القصيرة.

في تلك اللحظة، قلت لنفسي إن ما نراه على منصات التواصل ليس دائماً كما يبدو.

عندما اكتملت الصورة

في المساء، وأثناء تصفحي لمنصات التواصل، اكتشفت أن الشابة التي رأيتها لم تكن سوى المؤثرة البرازيلية ماريانا مينيزيس، التي يتابعها أكثر من 11 مليون شخص على إنستغرام.

كما اكتشفت الفيديو الذي أثار تفاعلاً واسعاً، والمتعلق بالبحث عن المشجع المغربي "محمد".

بحسب ما شاهدته، كان اللقاء الأول بينهما بعد مباراة البرازيل حقيقياً وعفوياً. أما الفيديو الذي نُشر لاحقاً حول "البحث" عنه في تايمز سكوير، فقد بدا لي أقرب إلى محتوى صُمم بعناية للاستفادة من الزخم الذي صنعه ذلك اللقاء، ولمنح القصة فصلاً جديداً يجذب الجمهور ويطيل عمرها على منصات التواصل.

ليس في ذلك ما يثير الاستغراب، فهذه هي صناعة المحتوى اليوم. الفكرة الناجحة لا تنتهي عند لحظة وقوعها، بل تُبنى حولها قصة كاملة تحافظ على اهتمام المتابعين.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها


ما تعلمته في تايمز سكوير

ذلك المساء لم أتعلم شيئاً عن كرة القدم، بل عن عالم آخر يوازيها في التأثير.

أدركت أن المحتوى الذي يبدو عفوياً قد يكون وراءه فريق كامل، وساعات من التحضير، وعشرات المحاولات، وأن النجاح على مواقع التواصل لم يعد يعتمد فقط على التقاط اللحظة، بل على معرفة كيف تُروى تلك اللحظة. ومن هنا خرجت بقناعة أخرى أعتبرها مهمة، خاصة بالنسبة الينا كمغاربة؛ فليس كل محتوى يتحدث عن المغرب أو يظهر العلم المغربي أو يستعين بمشجع مغربي، يكون نابعاً من إعجاب حقيقي أو اهتمام صادق.

في كثير من الأحيان، يتحول المغرب إلى كلمة مفتاحية لجذب التفاعل، وإلى وسيلة سريعة لركوب موجة "التريند"، لأن صناع المحتوى يدركون حجم الحماس الذي يبديه المغاربة على منصات التواصل. لا أقول إن الأمر ينطبق على الجميع، لكنه أصبح أسلوباً يتكرر كثيراً، لذلك من واجبنا أن نتفاعل بوعي، وأن نميز بين من يحتفي بالمغرب عن قناعة، ومن يوظف اسمه ورموزه فقط لزيادة المشاهدات وتحقيق الانتشار.

الحلقة 8: من نيويورك إلى بوسطن... حكاية "فاي كام ييب" الذي صار واحداً منا