قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الإثنين 15 يونيو – وداعاً نيويورك
غادرنا نيويورك صباح ذلك اليوم ونحن نحمل شعوراً متناقضاً. فمن جهة، كنا نطوي صفحة مدينة عشنا فيها أياماً استثنائية، ومن جهة أخرى كنا نستعد لمرحلة جديدة من الرحلة، عنوانها بوسطن، حيث كانت تنتظرنا أيام لا تقل ازدحاماً وإثارة.لكن قبل أن نغادر، دار نقاش طويل بين أفراد الوفد الإعلامي حول توقيت الرحيل. كثيرون كانوا يرون أن السفر إلى بوسطن قبل وصول المنتخب المغربي ليس القرار الأنسب، لأن الصحفي بطبيعته يفضل أن يبقى قريباً من المنتخب حتى لا يفوته أي مستجد.
في المقابل، كانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قد اختارت الإبقاء على مقر إقامة المنتخب في نيوجيرسي طوال دور المجموعات، مع السفر إلى المدينة المستضيفة لكل مباراة قبل ثلاثة أيام فقط. بالنسبة إلينا، لم يكن أمامنا سوى التأقلم مع هذا البرنامج، والسفر مبكراً لترتيب أمور الإقامة والعمل قبل أن تبدأ وتيرة المباريات من جديد.
أمام الفندق، كانت الحافلة تنتظرنا، ومعها وجه أصبح مألوفاً بالنسبة إلينا: السائق الأمريكي من أصول صينية فاي كام ييب. في البداية كان مجرد سائق، لكننا لم نكن نعلم أن الأيام المقبلة ستجعله واحداً من الشخصيات التي ستبقى عالقة في ذاكرتنا بعد نهاية المونديال.
الطريق الذي كشف لنا أمريكا
ما إن غادرنا مانهاتن حتى بدأت الصورة تتغير تدريجياً. اختفى صخب المدينة، وحلت مكانه طرق سريعة تمتد بلا نهاية، وغابات خضراء، وبلدات صغيرة تبدو وكأنها خرجت من فيلم أمريكي.
استغرقت الرحلة نحو بوسطن أكثر من 6 ساعات، قطعنا خلالها حوالي 350 كيلومتراً عبر ولايتي كونيتيكت ورود آيلاند، قبل أن نصل إلى ولاية ماساتشوستس.
كانت تلك أول مرة نرى فيها أمريكا بعيداً عن ناطحات السحاب. أمريكا الهادئة، الواسعة، التي تمنحك إحساساً بأن الطريق لا ينتهي.
وبحكم القوانين الأمريكية الخاصة بسائقي الحافلات، كان لزاماً على فاي أن يتوقف كل ساعتين تقريباً في محطات الاستراحة. بالنسبة إليه كان الأمر التزاماً قانونياً، أما بالنسبة إلينا فكان فرصة لاحتساء القهوة أو اقتناء "سندويتش" والتقاط بعض الصور، وتمديد الأرجل بعد ساعات من الجلوس، قبل أن نعود لمواصلة الرحلة.
رجل لا يعرف التوقف
مع مرور الوقت، بدأنا نكتشف تفاصيل شخصية فاي.
كان يعمل لساعات طويلة دون أن يشتكي، ويتعامل مع تغييرات برنامجنا وكأنها جزء عادي من يومه. لم يكن يبدي أي انزعاج عندما نطلب تغيير الوجهة في آخر لحظة أو نتأخر قليلاً عن موعد الانطلاق، بل كان يكتفي بابتسامة قصيرة ثم يعيد تشغيل الحافلة.
حتى وجبة غدائه كانت سريعة، يأكلها خلال فترات التوقف وكأنه لا يريد أن يضيع دقيقة واحدة من يومه.
ورغم حاجز اللغة، نجح في بناء علاقة لطيفة معنا. شيئاً فشيئاً، تحولت التحية الصباحية إلى أحاديث قصيرة، ثم إلى مزاح خفيف كلما التقينا، حتى أصبح وجوده جزءاً من روتيننا اليومي.
مفاجآت خلف المقود
لكن أكثر ما أثار فضولنا أنه كان شغوفاً بعالم البورصة.
كلما توقفنا في محطة استراحة، أو حتى عندما يجد لحظة هادئة، يخرج هاتفه ويتابع حركة الأسهم والأسواق المالية باهتمام كبير، وكأنه يعيش حياة أخرى موازية لعمله.
ولم تكن تلك المفاجأة الوحيدة.
في إحدى المرات، استغل استقامة الطريق وخلوه تقريباً من المنعطفات، وبدأ يغيّر ملابسه وهو جالس خلف المقود. نظر بعضنا إلى بعض في صمت، ثم انفجرنا ضاحكين، قبل أن يتحول الضحك سريعاً إلى قلق خفيف. كنا نتمنى فقط أن يبقى تركيزه على الطريق أكثر من أي شيء آخر.
لحسن الحظ، انتهى الأمر بسلام، لكنه ظل من أكثر المواقف غرابة التي عشناها خلال الرحلة.
أكثر من مجرد سائق
عندما وصلنا إلى بوسطن، لم تنته علاقتنا بفاي. بالعكس، أصبح رفيقنا اليومي، ينقلنا بين الفندق وملاعب التداريب والمؤتمرات الصحفية والملعب الذي احتضن المباراة.
ومع مرور الأيام، اعتدنا وجوده إلى درجة أننا لم نعد نتخيل برنامجنا اليومي من دونه.
وحين انتهت مهمتنا في بوسطن، وجاء موعد السفر جواً إلى أتلانتا، أدركنا أن لحظة الوداع قد حانت.
قبل دخول المطار، اتفق أفراد الوفد الصحفي على جمع مبلغ بسيط من المال وتقديمه له إكرامية، عربون شكر على صبره ومساعدته لنا طوال تلك الأيام.
لم يقل الكثير. أخذ الظرف، نظر إلينا بابتسامة صادقة، وشكرنا بهدوء. كانت ابتسامة تختصر كل شيء.
صعدنا إلى الطائرة، وأكمل كل منا طريقه نحو محطة جديدة من المونديال، لكن فاي بقي واحداً من تلك الوجوه التي لا تصنع العناوين، ومع ذلك تترك أثراً حقيقياً في الذاكرة.
ففي مثل هذه الرحلات، لا تتذكر المباريات وحدها، بل تتذكر أيضاً الأشخاص الذين رافقوك في الطريق، حتى وإن كانت مهمتهم مجرد الإمساك بالمقود.