قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الثلاثاء 16 يونيو – أول يوم في بوسطن
بعد أيام صاخبة في نيويورك، بدا الوصول إلى بوسطن وكأنه انتقال إلى عالم آخر تماماً.فمنذ اللحظات الأولى لاحظنا الفرق؛ لا شاشات عملاقة تملأ السماء، ولا ضجيج لا يهدأ، ولا ذلك الإيقاع المحموم الذي يميز مانهاتن. بدت بوسطن أكثر هدوءاً وأناقة، مدينة تحافظ على تاريخها وتسير على وتيرتها الخاصة. لكننا سرعان ما اكتشفنا أن هدوءها لا يعني أن مهمتنا ستكون أسهل.
الفندق في الوسط... والعمل بعيداً عن المدينة
أقمنا في فندق بقلب مدينة بوسطن، وهي منطقة جميلة نابضة بالحياة، تكثر فيها المطاعم والمقاهي، ويغلب عليها الطابع التاريخي والمعماري الذي تشتهر به إحدى أعرق المدن الأمريكية.
غير أننا اكتشفنا بسرعة أن اسم "بوسطن" في كأس العالم قد يكون مضللاً نوعاً ما؛ فالمباراة التي كنا نستعد لتغطيتها، والحصص التدريبية، وحتى الندوات الصحفية، لم تكن تُقام داخل المدينة نفسها، بل في ملعب جيليت بمدينة فوكسبره (Foxborough)، على بعد نحو 45 كيلومتراً جنوب غرب بوسطن، وهو الملعب الذي حمل خلال البطولة اسم "Boston Stadium".
وقد فرض هذا علينا روتيناً يومياً مرهقاً؛ فكنا نغادر الفندق قبل وقت طويل من كل نشاط إعلامي، لأن الطريق إلى الملعب قد يستغرق أكثر من ساعة، خاصة في أوقات الذروة. ومع مرور الأيام، أدركنا أن جزءاً كبيراً من عملنا في هذا المونديال لم يكن داخل الملاعب، بل على الطرقات، في سباق دائم مع الوقت.
"تمغربيت" لا تغيب
في الفندق، فوجئنا بوجود عدد من المغاربة يعملون هناك.
ومنذ اليوم الأول شعرنا أننا بين أهلنا؛ كانوا يستقبلوننا بابتسامة، ويسألون عن أخبار المنتخب، ويقدمون لنا نصائح حول المدينة وأفضل طرق التنقل، وحتى الوقت المناسب لمغادرة الفندق تفادياً للازدحام.
ففي الغربة، تكفي كلمة "السلام عليكم" بلهجتك حتى تشعر أن آلاف الكيلومترات التي تفصلك عن المغرب قد اختفت فجأة.
قصة "ذا سايم"
إذا كان لكل مدينة ذكرى خاصة، فإن ذكرى بوسطن بالنسبة إلينا ستبقى مرتبطة بالفطور.
ففي نيويورك، كنا نستمتع ببوفيه مفتوح يختار فيه كل واحد ما يشاء. أما في بوسطن، فوجدنا أنفسنا أمام قائمة طعام طويلة، بأسماء أطباق لا نعرفها، ومكونات لم تكن واضحة دائماً.
وبدأت الأسئلة تتكرر كل صباح: هل هذا الطبق حلال؟ هل يحتوي على لحم الخنزير؟ ماذا نطلب؟
وبعد يومين فقط، وجدنا الحل.
فأول زميل ينجح في اختيار فطور "مضمون"، يتحول تلقائياً إلى مرجع لبقية الطاولة.
كانت النادلة تأتي لأخذ الطلبات، فيشير الأول إلى طبقه، ثم يردد الباقون واحداً تلو الآخر وبابتسامة:"ذا سايم."
وبعد أيام قليلة، صارت النادلة تبتسم بمجرد اقترابها من طاولتنا، لأنها تعرف مسبقاً أن الجميع سيطلب الطبق نفسه.
كانت واحدة من تلك التفاصيل الصغيرة التي تحولت إلى نكتة يومية، وما زلنا نتذكرها كلما التقينا.
عندما قلب المطر كل شيء
الطقس بدوره كان جزءاً من الحكاية.
في البداية، تابعنا الحصة التدريبية الأولى للمنتخب المغربي تحت حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة، وهو ما فرض على اللاعبين والجهاز التقني التأقلم مع أجواء مختلفة تماماً عما اعتادوه.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد انتهاء الندوة الصحفية الرسمية.
ففي دقائق معدودة فقط، تبدلت السماء، وانهمرت أمطار غزيرة بشكل مفاجئ.
ولم يكن أي منا مستعداً لذلك.
حاولنا الاحتماء قدر الإمكان، لكن دون جدوى، فعدت أنا وسفيان وأمين وعدد من الزملاء إلى الحافلة ونحن مبتلون بالكامل.
وزاد الازدحام المروري من طول رحلة العودة، فقضينا قرابة ساعة ونص الساعة بملابس مبللة حتى وصلنا إلى الفندق. والحمد لله أننا لم نُصب بنزلة برد أو أي وعكة، ومرّت الأمور بسلام.