قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
الحلقة 11: في "جيلت ستاديوم".. يوم اكتشفنا أن صوت الجماهير لا يُقاس بما يحدث في الشوارع

الجمعة 19 يونيو – يوم المباراة

في كأس العالم، يبدأ يوم المباراة قبل ساعات طويلة من صافرة البداية. بالنسبة إلينا كصحفيين، لم يكن الأمر يقتصر على تغطية تسعين دقيقة داخل الملعب، بل كان يوماً كاملاً من التنقلات والإجراءات والتفاصيل التي لا يراها المشاهد أمام الشاشة.

كان موعد المباراة السادسة مساءً، لكننا غادرنا الفندق في وقت مبكر جداً. لم نرغب في المجازفة بالازدحام، خاصة أن المباراة لم تكن في قلب مدينة بوسطن، بل في مدينة فوكسبورو، حيث يقع ملعب جيلت ستاديوم، على بعد نحو خمسين كيلومتراً.

الطريق إلى الملعب... والرأسمالية في أبسط صورها

كلما اقتربنا من الملعب، بدأت مواقف السيارات الخاصة تظهر على جانبي الطريق. لم تكن مواقف رسمية، بل أراضٍ استغل أصحابها الزخم الجماهيري وحولوها إلى أماكن لركن السيارات مقابل مبالغ مرتفعة.

كان المشهد لافتاً. كلما اقتربت من الملعب، ارتفع السعر أكثر. بعض المواقف كانت تطلب 100 دولار، وأخرى وصلت إلى 150 دولاراً مقابل ركن السيارة لبضع ساعات فقط.

وقتها أدركت أن كأس العالم لا يحرك فقط مشاعر الجماهير، بل يفتح أيضاً أبواباً واسعة للاستثمار والربح.

متطوعون تجاوزوا الستين... لكنهم لم يفقدوا الحماس

عند بوابات الملعب بدأت رحلة أخرى.

إجراءات أمنية دقيقة، تفتيش للمعدات، فحص للحقائب، ومراجعة لكل جهاز نحمله معنا. بعض الزملاء اضطروا إلى تسليم معدات لاسلكية بعد أن تبين أنها تستعمل ترددات غير مسموح بها داخل الملعب.

وسط كل ذلك، شد انتباهي أمر لم أكن أتوقعه.

معظم المتطوعين الذين كانوا يرشدون الجماهير والإعلاميين لم يكونوا من الشباب، بل رجالاً ونساءً تجاوز كثير منهم الستين من العمر. كانوا يتحركون بهدوء، يجيبون عن الأسئلة بابتسامة، ويقضون ساعات طويلة واقفين لمساعدة آلاف الزوار.

كان مشهداً جميلاً، يعكس ثقافة مختلفة، حيث لا يتوقف العطاء عند سن التقاعد.

ما رأيناه في المدينة... لم نجده داخل الملعب

في الليلة السابقة، كنا مقتنعين بأن إسكتلندا ستلعب وسط جماهيرها.

شوارع بوسطن كانت تعج بالمشجعين الإسكتلنديين، وتنانيرهم التقليدية كانت حاضرة في كل مكان؛ في الساحات، والمطاعم، والحانات. حتى إننا، نحن الصحفيين، بدأنا نتحدث فيما بيننا عن الضغط الجماهيري الذي قد ينتظر المنتخب المغربي.

لكن كل تلك الانطباعات تبددت بمجرد دخولنا ملعب جيلت.

فكلما اقترب موعد انطلاق المباراة، كان اللون الأحمر يزداد حضوراً في المدرجات، حتى تحول الملعب تدريجياً إلى مساحة مغربية خالصة.

جاء المغاربة من ولايات أمريكية مختلفة، وحضروا بأعداد فاقت كل التوقعات. لم يكن حضورهم مجرد أرقام، بل كان حضوراً بالصوت أيضاً. منذ الإحماء وحتى صافرة النهاية، لم تتوقف الهتافات، وكأن المنتخب يخوض المباراة على أرضه وبين جماهيره.

في تلك اللحظة، فهمنا أن ما رأيناه في شوارع بوسطن لم يكن يعكس حقيقة المدرجات.

الحقيقة كانت هناك، داخل الملعب، حيث فرض الجمهور المغربي نفسه، وحوّل المباراة إلى موعد بطابع مغربي خالص.

فرحة امتزجت بالمهنة

بعد جولة قصيرة بين الجماهير، صعدنا إلى المقصورة المخصصة للإعلاميين.

كانت مقصورات مغلقة تضم صحفيين من جنسيات مختلفة، يجلس الجميع جنباً إلى جنب، في مساحة لا تسمح بالكثير من الحركة أو حتى بإخفاء ردود الأفعال.

بدأت المباراة، وكانت صعبة كما توقعنا. منتخب إسكتلندا دافع بشراسة، فيما ظل المنتخب المغربي يبحث عن هدف يمنحه بطاقة العبور.

وعندما جاء الهدف، انفجرت الفرحة.

حاولنا أن نحافظ على هدوئنا قدر الإمكان، لكن في مباريات كهذه يصبح التحكم في المشاعر أمراً بالغ الصعوبة. بعض الزملاء تفاعلوا بعفوية مع الهدف، وهو ما لفت انتباه صحفي أمريكي كان يجلس بالقرب منا.

أخرج هاتفه وصور لحظات فرحتنا، ثم نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم نكن نتوقع أن يتحول ذلك المقطع القصير إلى سبب في بعض الملاحظات من البعض الذين شددوا على ضرورة التزام الحياد داخل المنصة الإعلامية.

كانت لحظة ذكّرتنا بأن العمل في كأس العالم لا يخضع فقط لقواعد المهنة، بل أيضاً لتفاصيل تنظيمية دقيقة، قد تبدأ بابتسامة أو هتاف، وتنتهي بنقاش طويل.

نهاية يوم لا يُنسى

مع صافرة النهاية، أعلن الحكم فوز المنتخب المغربي بهدف دون رد، وتأهله إلى الدور الموالي.

خرجنا من الملعب متعبين، لكن السعادة كانت أكبر من كل الإرهاق. خلفنا بقيت مدرجات امتلأت بالأعلام المغربية، وأمامنا كانت تنتظرنا محطة جديدة من الرحلة.

في ذلك اليوم، لم أتذكر فقط المباراة أو الهدف، بل تذكرت أيضاً المتطوع المسن الذي كان يبتسم لكل من يسأله، ومواقف السيارات التي تحولت إلى تجارة موسمية، والجماهير المغربية التي قلبت كل التوقعات.

أدركت مرة أخرى أن كأس العالم لا يُروى بنتيجته فقط، بل بكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح كل يوم فيه حكاية تستحق أن تُحكى.