قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
السبت 20 يونيو – يوم الرحيل
في كأس العالم، لا وقت للتعلق بمدينة، ولا فرصة للاحتفال طويلاً. ما إن انتهت فرحة القوز حتى بدأ العد التنازلي لمحطة جديدة. عدنا إلى الفندق في تلك الليلة، لكن أجواء الاحتفال سرعان ما تحولت إلى حقائب مفتوحة، وكاميرات تُرتب من جديد، ومراجعة لآخر التفاصيل قبل السفر إلى أتلانتا، حيث كان ينتظرنا الموعد الأخير في دور المجموعات.الانضباط... أولى محطات يوم السفر
قبل النوم، وصلت الرسالة المعتادة إلى مجموعة الوفد الصحفي، تذكر الجميع بموعد المغادرة في الثامنة صباحاً نحو مطار بوسطن لوغان، استعداداً للرحلة الجوية المبرمجة عند الظهر. في مثل هذه الرحلات، يصبح احترام التوقيت جزءاً من المهنة، لأن أي تأخير قد يربك برنامج الوفد بأكمله.
في صباح اليوم التالي، بدا الفندق أكثر هدوءاً من الأيام السابقة. تناولنا وجبة الإفطار على عجل، وكل واحد منا منشغل بمراجعة حقائبه والتأكد من أن بطاقات الاعتماد والمعدات الصحفية في مكانها.
عند الثامنة تماماً، كانت الحافلة تنتظرنا أمام الفندق للمرة الأخيرة، وخلف مقودها فاي كام ييب. الطريق إلى المطار مر بهدوء، وكأن الجميع كان يسترجع في ذهنه أيام بوسطن. وعند الوصول، جمع أفراد الوفد إكرامية بسيطة تقديراً لجهوده طوال فترة مرافقتنا، فتلقاها بابتسامته الهادئة المعتادة، قبل أن نفترق ويواصل كل منا طريقه.
ساعات أخيرة في مطار بوسطن
دخلنا مطار بوسطن لوغان قبل ساعات من موعد الإقلاع. بين طوابير تسجيل الأمتعة، والتفتيش الأمني، وفحص المعدات الصحفية، وجدنا وقتاً للحديث عن الأيام التي قضيناها في المدينة.
استعدنا لحظات مباراة إسكتلندا، وضحكنا ونحن نتذكر بعض المواقف التي بدت مزعجة حين عشناها، لكنها تحولت الآن إلى ذكريات جميلة. تحدثنا عن الأمطار الغزيرة، والفطور الذي تشابه كل صباح، والشاي المغربي في مقهى "كازابلانكا"، والجماهير المغربية التي جعلت "جيلت ستاديوم" يبدو وكأنه ملعب في الدار البيضاء.
رحلة هادئة... لم تكن هادئة
عند الثانية عشرة ظهراً، أقلعت طائرتنا في اتجاه أتلانتا على متن إحدى الرحلات الداخلية. كنا نتوقع رحلة عادية لا تتجاوز ساعتين ونصف، لكن بعد وقت قصير من الإقلاع بدأت الطائرة تواجه مطبات هوائية متكررة، رافقتها اهتزازات قوية جعلت كثيراً من الركاب يلتزمون الصمت.
أما أحد زملائنا، الذي كان يعاني أصلاً من فوبيا الطيران، فقد عاش الرحلة بأعصاب متوترة منذ الإقلاع وحتى الهبوط. حاولنا التخفيف عنه بالحديث والمزاح، لكن كل اهتزاز جديد كان يعيد إليه القلق.
وحين بدأت الطائرة في الهبوط، شعر الجميع براحة واضحة، وما إن لامست عجلاتها المدرج حتى تنفس الركاب الصعداء.
أتلانتا... بداية فصل جديد
بمجرد خروجنا من مطار هارتسفيلد-جاكسون، شعرنا بأننا دخلنا أجواء مختلفة تماماً. الحرارة والرطوبة كانتا أعلى بكثير مما اعتدناه في بوسطن.
حملنا حقائبنا واتجهنا نحو الفندق، بينما بدأ الحديث مباشرة عن برنامج العمل في اليوم التالي، والتغطيات المنتظرة، وكيفية الاستعداد للمباراة المقبلة.
في تلك اللحظة، أدركنا أن صفحة بوسطن قد أغلقت بكل ما حملته من ذكريات جميلة، وأن أتلانتا بدأت تكتب أول سطورها. ففي كأس العالم، لا تتوقف الحكايات، وما إن تنتهي قصة حتى تبدأ أخرى.