قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الأحد 21 يونيو – بداية محطة جديدة
بعد رحلة جوية لم تكن سهلة، حطت بنا الطائرة في مدينة أتلانتا، لنبدأ محطة جديدة من رحلتنا في كأس العالم. وما إن غادرنا المطار حتى شعرنا بأننا دخلنا أجواء مختلفة عن تلك التي عشناها في بوسطن. الحرارة كانت أعلى، والرطوبة أكثر وضوحاً، فيما بدت المدينة أكثر حيوية مع اقتراب موعد مباراة المنتخب المغربي أمام هايتي.توجهنا مباشرة إلى فندق "ذا أمريكان أتلانتا"، حيث سنقيم خلال الأيام المقبلة. لم يكن لدينا متسع كبير للراحة، فبرنامج العمل كان يبدأ عملياً منذ لحظة الوصول.
سائق جديد... وحديث بالعربية
مع وصولنا إلى أتلانتا، تعرفنا أيضاً على السائق الذي سيرافقنا خلال هذه المحطة. كان أمريكياً من أصول مصرية، وعلى عكس السائق الصيني الذي رافقنا في بوسطن، لم يحتج الأمر إلى وقت طويل لكسر حاجز التعارف.
منذ الدقائق الأولى، دار الحديث بالعربية، وانتقلنا بسرعة من التعارف إلى النقاش حول كرة القدم، وأجواء كأس العالم، وأحوال المغرب ومصر. كانت رحلة قصيرة، لكنها منحتنا شعوراً بالألفة في مدينة ما زلنا نكتشفها.
رسالة ترسم برنامج اليوم التالي
بعد الاستقرار في الفندق وترتيب معدات العمل، وصلتنا في المساء رسالة من منسق الوفد الإعلامي جاء فيها:
"الإخوة الكرام، مساء الخير. سيصل المنتخب الوطني زوال يوم غد الإثنين إلى مدينة أتلانتا، حيث سيحل بفندق The Whitley Atlanta، وذلك على الساعة الواحدة و10 دقائق بعد الزوال."
كانت الرسالة كافية لرسم برنامج اليوم التالي. فقد سبقنا بعثة المنتخب إلى أتلانتا بيوم كامل، وهو ما منحنا الوقت للاستعداد لتغطية وصول "أسود الأطلس" ومتابعة كل تفاصيله.
صباح الإفطار... دقائق من القلق
في صباح اليوم التالي، نزلنا إلى المطعم لتناول الإفطار قبل الانطلاق إلى برنامج العمل. كان الحديث يدور حول وصول المنتخب بعد ساعات، قبل أن يقاطعنا أحد الزملاء وهو يبدو مرتبكاً.
قال إنه لم يجد جواز سفره، ولا المبلغ المالي الذي كان يحتفظ به داخل خزنة الغرفة.
في لحظة، تغيرت أجواء الإفطار بالكامل. ترك الجميع ما كان يفعله، وبدأ كل واحد يقترح حلاً. ففقدان جواز السفر في بلد أجنبي، وأنت في مهمة لتغطية كأس العالم، ليس أمراً يمكن التعامل معه بهدوء.
توجه الزميل إلى مكتب الاستقبال لإبلاغ إدارة الفندق، وبدأ المسؤولون البحث في الأمر. وبحكم أن عاملات النظافة كن آخر من دخل الغرفة، اتجهت الشكوك في البداية نحوهن، وصعد عدد من موظفي الفندق للتحقق من كل التفاصيل.
لكن النهاية كانت مختلفة تماماً عما توقعناه.
فبعد دقائق من البحث، تبيّن أن الزميل كان قد غيّر غرفته بعد وصوله إلى الفندق، ونسي أن جواز سفره والمبلغ المالي بقيا داخل خزنة الغرفة الأولى. وما إن فُتحت الخزنة حتى وُجد كل شيء في مكانه.
تنفس الجميع الصعداء، وتحول التوتر الذي خيم على الإفطار إلى ضحكات وتعليقات طريفة، فيما بادر الزميل إلى الاعتذار لموظفي الفندق وعاملة النظافة بعد أن اتضح أن الأمر لم يكن سوى نتيجة طبيعية للإرهاق وكثرة التنقل بين المدن.
استقبال المنتخب... بأجواء مغربية
طوينا صفحة تلك الواقعة سريعاً، وتوجهنا قبل الظهر إلى فندق The Whitley Atlanta، حيث كان المنتخب الوطني سيقيم.
وقبل وصول الحافلة بوقت غير قصير، بدأت الجماهير المغربية تتوافد إلى محيط الفندق. عائلات جاءت من ولايات أمريكية مختلفة، أطفال يرفعون الأعلام المغربية، وشباب يرددون الأهازيج في انتظار لحظة وصول اللاعبين.
وما إن ظهرت حافلة المنتخب حتى ارتفعت الهتافات، وتحول مدخل الفندق إلى لوحة مغربية خالصة، وكأننا في إحدى المدن المغربية لا في الولايات المتحدة.
ومن الأمور التي أسعدتنا أيضاً، أن ملعب مرسيدس بنز كان قريباً جداً من مقر إقامتنا، على عكس ما عشناه في بوسطن، حيث كانت المسافات الطويلة تستنزف جزءاً كبيراً من يوم العمل.
مباراة بعيون الصحفي
في اليوم نفسه، أتيحت لنا فرصة حضور المباراة التي جمعت المنتخبين السعودي والإسباني.
كانت المرة الأولى منذ انطلاق البطولة التي نحضر فيها مباراة لا يكون المنتخب المغربي طرفاً فيها، لذلك تابعناها بعين الصحفي، نراقب التنظيم وأجواء المدرجات أكثر مما نتابع تفاصيل النتيجة.
كما كانت فرصة لاكتشاف ملعب مرسيدس بنز عن قرب. تصميمه، وسهولة التنقل بين مرافقه، وطريقة تنظيم المركز الإعلامي، كلها تفاصيل جعلتنا ندرك أننا أمام واحد من أفضل الملاعب التي احتضنت مباريات كأس العالم.
مفاجأة داخل المركز الإعلامي
لكن المفاجأة الحقيقية كانت داخل المركز الإعلامي.
وجدنا مائدة تضم أصنافاً متنوعة من المأكولات والمشروبات، اعتقدنا في البداية أنها جزء من الخدمات المعتادة التي توفرها اللجنة المنظمة.
غير أن اللوحة الموضوعة بجانبها أوضحت أن هذه الضيافة كانت مبادرة من عمدة مدينة أتلانتا، ترحيباً بالصحفيين والإعلاميين المكلفين بتغطية منافسات كأس العالم.
كانت لفتة جميلة لم نصادف مثلها في نيوجيرسي أو بوسطن، واستمرت حتى يوم مباراة المغرب وهايتي، لتصبح واحدة من التفاصيل التي بقيت راسخة في ذاكرتنا عن أتلانتا.
أتلانتا... بداية العد العكسي
مع نهاية اليوم، عدنا إلى الفندق وقد أصبحت الصورة أكثر وضوحاً.
تعرفنا على المدينة، وعاينّا ملعب المباراة، وواكبنا وصول المنتخب الوطني، وعشنا دقائق من القلق انتهت بابتسامات وارتياح.
لم يعد يفصلنا عن مواجهة المغرب وهايتي سوى ساعات قليلة، وكانت أتلانتا تستعد لاحتضان واحدة من أهم محطات المنتخب في هذه النسخة من كأس العالم، بينما كنا نحن نستعد ليوم جديد من العمل، على أمل أن يحمل معه قصة أخرى تستحق أن تُروى.
من مفكرة الصحفي
في السفر، لا تبقى المباريات وحدها في الذاكرة. أحياناً تكفي دقائق من القلق بسبب جواز سفر، أو حديث بالعربية مع سائق مصري، أو استقبال جماهير مغربية أمام الفندق، لتدرك أن أجمل ما في المونديال ليس ما يحدث داخل الملعب فقط، بل أيضاً تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر على شاشة التلفزيون، لكنها تبقى عالقة في ذاكرة من عاشها.