قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الأحد 21 يونيو – استكشاف عاصمة الجنوب الأمريكي
بين زخم المباريات والتنقلات اليومية، كان لا بد لنا، كصحافيين، من اقتطاع بعض الوقت لاكتشاف المدينة التي احتضنت محطة جديدة من رحلة المنتخب المغربي في كأس العالم. فبعد أيام من التنقل بين نيويورك وبوسطن، وجدنا أنفسنا في أتلانتا، كبرى مدن ولاية جورجيا وعاصمتها، وإحدى أكثر المدن تأثيراً في الجنوب الأمريكي.منذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن أتلانتا تختلف عن المدن التي زرناها سابقاً. فهي مدينة تجمع بين التاريخ والحداثة، وتعد مركزاً اقتصادياً مهماً، كما ارتبط اسمها بمحطات بارزة في تاريخ الولايات المتحدة، وعلى رأسها حركة الحقوق المدنية، إذ إنها مسقط رأس الزعيم مارتن لوثر كينغ جونيور.
مدينة تصنع العلامات التجارية العالمية
وأنت تتجول في شوارع وسط المدينة، تلمس بسرعة حجم الحضور الاقتصادي للشركات العالمية التي تتخذ من أتلانتا مقراً لها. هنا يوجد المقر الرئيسي لشركة كوكاكولا، كما تحتضن المدينة المقر العالمي لشبكة CNN وعدداً من كبريات الشركات الأمريكية، ما يمنحها مكانة خاصة كإحدى العواصم الاقتصادية في الولايات المتحدة.
ناطحات السحاب، والمراكز التجارية، وحركة الناس التي لا تهدأ، كلها تعكس مدينة تعيش على إيقاع الأعمال والاستثمار، وتؤكد لماذا أصبحت أتلانتا واحدة من أسرع المدن الأمريكية نمواً.
لكن أكثر ما شد انتباهنا لم يكن فقط عمران المدينة أو حضور الشركات العالمية، بل أيضاً طريقة تعامل الناس. فمنذ وصولنا إلى الفندق، مروراً بالمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية، لمسنا ترحيباً وبساطة في التعامل تختلف عما عايشناه في نيويورك، حيث كانت وتيرة الحياة السريعة تجعل التواصل يبدو أكثر جفاء. في أتلانتا، كان الموظفون يبادلونك الحديث بابتسامة، ويسألونك عن بلدك، ويحاولون مساعدتك كلما احتجت إلى معلومة، وهو ما ترك لدينا انطباعاً جميلاً عن المدينة.
كما لفت انتباهنا الحضور البارز للأمريكيين من أصول إفريقية في مختلف الأماكن التي زرناها. ففي الفندق، وعدد من المطاعم والمتاجر، كان أغلب العاملين من السود، وهو أمر يعكس التركيبة السكانية الخاصة بأتلانتا، التي تعد من أبرز المدن الأمريكية ذات الأغلبية من الأمريكيين الأفارقة، وتحمل إرثاً تاريخياً عريقاً في مسار الحقوق المدنية بالولايات المتحدة.
"عالم كوكاكولا"... زيارة مؤجلة
على بعد مسافة قصيرة من مقر إقامتنا، كان يقف أحد أشهر معالم المدينة: "عالم كوكاكولا" (World of Coca-Cola).
في كل مرة كنا نمر بالقرب منه، كانت تراودنا الرغبة في زيارته. فهذا المكان لا يروي فقط قصة أشهر مشروب غازي في العالم، بل يحكي كيف تحولت فكرة انطلقت من صيدلية صغيرة في أتلانتا أواخر القرن التاسع عشر إلى واحدة من أقوى العلامات التجارية العالمية.
كنا نسمع كثيراً عن تجربة الزوار داخل المتحف، وعن الخلطة السرية التي تحيط بها الشركة بهالة كبيرة من الغموض، وعن قاعات تذوق المشروبات القادمة من مختلف أنحاء العالم. لكننا، للأسف، اكتفينا هذه المرة بمشاهدته من الخارج.
عندما يسرق العمل متعة الاكتشاف
لم يكن "عالم كوكاكولا" وحده ما فاتنا. فأتلانتا تضم أيضاً معالم ثقافية وتاريخية عديدة، من بينها المتحف الوطني للحقوق المدنية وحقوق الإنسان، ومركز مارتن لوثر كينغ، إلى جانب متاحف أخرى تعكس تاريخ المدينة والولايات المتحدة.
لكن العمل في كأس العالم لا يمنحك رفاهية أن تكون سائحاً.
كانت أيامنا تبدأ مبكراً ولا تنتهي إلا في ساعات متأخرة من الليل، بين متابعة تدريبات المنتخب، وحضور الندوات الصحفية، والتنقل بين الملاعب، ثم إرسال المواد الصحفية والفيديوهات إلى فريق "لوماتان سبورت" في الدار البيضاء.
في كثير من الأحيان كنا نمر أمام هذه المعالم ونحن نعد أنفسنا بالعودة إليها يوماً ما، لكن جدول المونديال كان دائماً يسبق رغباتنا.
من مفكرة الصحافي> "لكل مدينة في هذه الرحلة قصة مختلفة، أما أتلانتا فكانت المدينة التي رأيناها أكثر مما عشناها. لم تمنحنا أجندة المونديال الوقت الكافي لاكتشاف متاحفها ومعالمها كما كنا نتمنى، لكنها منحتنا انطباعاً إنسانياً جميلاً؛ مدينة هادئة، ووجوه بشوشة، وناس لا يترددون في تقديم المساعدة. غادرناها ونحن نعرف أننا سنعود إليها يوماً، لكن هذه المرة بصفة سائح، لا صحافي يطارده الوقت."