قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها


الحلقة العشرون: ملحمة "BBVA".. من غلاء الفيفا وكابوس الحقائب إلى هستيريا التأهل

الإثنين 29 يونيو – يوم الموقعة الكبرى أمام هولندا

هناك مباريات لا تبدأ عند صافرة الحكم، بل تبدأ قبل ذلك بساعات، وربما بأيام. مباراة هولندا كانت واحدة منها.

منذ الصباح، كان الإحساس مختلفاً في مونتيري. الجميع يعرف أن هذا اليوم قد يكون الأخير في رحلتنا، أو قد يفتح لنا باباً جديداً في كأس العالم. وبين احتمال العودة إلى المغرب ومواصلة المغامرة، كانت كل التفاصيل الصغيرة تأخذ حجماً أكبر من المعتاد.

وصلت عبر مجموعة الوفد الإعلامي رسالة تنظيمية دقيقة تحدد موعد التوجه إلى ملعب BBVA وبرنامج العودة: "السلام عليكم. سننطلق بحول الله في اتجاه ملعب BBVA لتغطية مباراة المغرب ضد هولندا على الساعة الثالثة عصر هذا اليوم، لذا يرجى من الجميع الالتحاق بالحافلة في الوقت المحدد والتأكد من حمل البادج والمعدات الخاصة بالعمل لتفادي أي تأخير بسبب نسيانها. وفي حال نهاية المباراة في وقتها الأصلي، سنلتحق بالحافلة على الساعة العاشرة والنصف مساء للعودة في اتجاه الفندق."

كانت الرسالة تبدو عادية من الناحية التنظيمية، لكن خلف سطورها كان هناك شيء آخر نفكر فيه جميعاً: هل سنعود فعلاً إلى الفندق في العاشرة والنصف لنكمل العمل، أم سنعود لجمع حقائبنا استعداداً للرحيل؟

ثم إن توقيت المباراة كان يزيد المهمة صعوبة. فالمواجهة التي ستنطلق عصراً في مونتيري، كانت ستصل إلى المشاهد المغربي في حدود الثانية صباحاً، بسبب فارق السبع ساعات.

كنا نعرف أن ملايين المغاربة سيضبطون ساعاتهم على موعد المباراة، وأن مسؤولين وصحفيين وجماهير في المغرب سيقضون الليل أمام الشاشات لمتابعة "الأسود". لذلك لم يكن مسموحاً لنا بالخطأ أو التراخي. كان علينا أن نكون في أعلى درجات التركيز، وأن نواصل العمل حتى لو امتدت الساعات إلى ما بعد منتصف الليل.

معركة صغيرة قبل معركة BBVA

قبل التوجه إلى الملعب، واجهتنا أولى معارك اليوم، وكانت معركة من نوع مختلف تماماً: أين سنأكل؟

لم نتمكن من تناول وجبة الغداء في الفندق، فخرجت رفقة الزميل خالد حداد، صحفي جريدة "رسالة الأمة"، بحثاً عن شيء يسد الجوع قبل المباراة.

جربنا أكثر من محل في الملعب، ودخلنا أكثر من مكان، لكن المهمة لم تكن سهلة. معظم الوجبات المتوفرة في الملعب كانت تعتمد على لحم الخنزير (Porc)، وهو ما جعل خياراتنا محدودة للغاية.

بعد بحث طويل، قررنا التوجه إلى المركز الإعلامي في ملعب BBVA، علّنا نجد شيئاً مناسباً هناك.

وفعلاً، وجدنا في النهاية وجبة بسيطة تعتمد على الحمص، وكانت كافية لإنقاذ الموقف قبل الدخول في ساعات العمل الطويلة.

لكن تجربة الغداء كشفت لنا في الوقت نفسه جانباً آخر من كأس العالم: الجانب التجاري للفيفا.

داخل المركز الإعلامي، كان كل شيء تقريباً له ثمنه، والأسعار كانت مرتفعة بشكل لافت. كيف يمكن لكل تفصيل صغير داخل هذا الحدث العالمي أن يتحول إلى فرصة تجارية؟

كان واضحاً أن الفيفا تعرف جيداً كيف تستثمر في كل شيء، حتى في التفاصيل الموجودة داخل مراكز الإعلام.

ألمانيا والباراغواي.. حماس قبل العاصفة

قبل أن تبدأ مواجهتنا، كانت أجواء المركز الإعلامي مشحونة بالحماس بسبب مباراة ألمانيا والباراغواي التي كانت تُعرض على الشاشات.

تجمع الصحفيون من أنحاء العالم بكثافة أمامها، وتحولت لحظات الانتظار إلى أجواء تشبه المدرجات. وكان واضحاً أن التعاطف الأكبر كان مع منتخب الباراغواي، وسط تشجيع وحماس ضد ألمانيا.

لكن تلك الأجواء لم تستمر طويلاً بالنسبة لنا.

بعد نهاية المباراة، بدأنا الاستعداد للمهمة الحقيقية. توجهنا إلى المنصة الصحفية، بحثنا عن أماكننا، وحاولنا تأمين شبكة الويفي حتى نكون جاهزين للعمل منذ اللحظة الأولى.

المنصة كانت عادية، لكن ما كان يحدث داخلها لم يكن عادياً إطلاقاً.

BBVA.. حيث بدأ الضغط الحقيقي

مع صافرة البداية، تغير كل شيء.

كنا متفائلين، لكننا كنا نعرف أن هولندا لن تمنح "الأسود" المساحات بسهولة. وبالفعل، حاول المنتخب الهولندي امتصاص حماس المغرب والاعتماد على مرتدات سريعة وخطيرة.

ومع مرور الدقائق، بدأ الضغط يتصاعد.

لم نعد نجلس بهدوء في أماكننا. البعض يقف، ثم يعود إلى مقعده، ثم ينهض من جديد. آخرون يتركون أماكنهم ويتابعون المباراة واقفين.

كانت الأعصاب مشدودة إلى أقصى حد.

شخصياً، كانت تلك المرة الأولى في البطولة التي أشعر فيها بهذا الحجم من الضغط النفسي. لم نكن نتابع المباراة كمجرد صحفيين يبحثون عن الخبر، بل كنا نعيش كل كرة وكل هجمة وكأنها تحدد مصير الرحلة التي قطعنا من أجلها آلاف الكيلومترات.

الدقيقة 87.. عندما حضرت الحقائب في الملعب

ثم جاء الهدف الهولندي.

كانت صدمة.

ومع اقتراب المباراة من نهايتها، بدأت الأفكار التي كنا نحاول طردها منذ البداية تجد طريقها إلى أذهاننا.

كيف سنغطي الإقصاء؟

كيف سنعود إلى الفندق؟

ومتى سنبدأ في جمع الحقائب؟

الغريب أن الحقائب التي تركناها في الفندق صباحاً أصبحت حاضرة بقوة في حديثنا الداخلي. بدأنا نفكر في التوضيب والرحيل، وفي كيفية إنهاء آخر تفاصيل هذه الرحلة.

كان الإقصاء يبدو قريباً جداً.

وصلنا إلى الدقيقة 87، ولم يعد هناك الكثير من الوقت.

ثم حدث ما لم نكن ننتظره.

ديوب.. لحظة قلبت كل شيء

من قلب اليأس، جاء الفرج.

هدف التعادل عن طريق ديوب!

لا أعرف كيف يمكن وصف ما حدث في تلك اللحظة.

انفجرت المنصة الصحفية.

صرخات، عناق، قفز، ضحك، ووجوه كانت قبل ثوانٍ غارقة في القلق، أصبحت فجأة تضحك وتصرخ من شدة الفرح.

كانت واحدة من أجمل اللحظات التي عشناها منذ وصولنا إلى الأراضي الأمريكية.

ولعل الزميل سفيان كان أكثر من جسّد تلك اللحظة. لم يتمالك نفسه، فانطلق نزولاً عبر مدرجات المنصة الصحفية، يقفز من أعلى الدرج إلى أسفله وسط حالة من الهستيريا والضحك.

كانت لقطة عفوية، لكنها اختصرت كل شيء: ضغط المباراة، الخوف من الإقصاء، ثم الانفجار المفاجئ للفرح.

في ثوانٍ، اختفت الحقائب من أذهاننا.

ركلات الترجيح.. ثم فرحة لا توصف

بعد نهاية المباراة واللجوء إلى ركلات الترجيح، لم يعد أحد يفكر في شيء آخر.

كل الأنظار كانت على الملعب.

كل نبضة كانت محسوبة.

ثم جاءت اللحظة المنتظرة: المغرب يتأهل!

تحولت المنصة الصحفية إلى ساحة احتفال عفوية. تعانق الصحفيون المغاربة بحرارة، وتبادلوا التهاني، وظهرت دموع الفخر في أعين البعض.

كان إحساساً مختلفاً تماماً.

لم نكن نحتفل فقط بفوز منتخبنا، بل كنا نحتفل أيضاً ببقاء رحلتنا مفتوحة.

وفي المدرجات، كانت الجماهير المغربية تعيش لحظتها الخاصة. رفضت مغادرة الملعب، واستمرت الأهازيج والاحتفالات. تشابكت الأيادي بين المشجعين المغاربة والمكسيكيين، واختلطت الأصوات في مشهد كروي وإنساني سيظل عالقاً في الذاكرة.

من الاحتفال إلى العمل.. لا وقت للراحة

لكن بالنسبة لنا، لم تكن صافرة النهاية تعني نهاية اليوم.

بعد لحظات الاحتفال الأولى، توجهنا مباشرة إلى المنطقة المختلطة (Mixed Zone).

كان الوقت قد تأخر، والتعب كان واضحاً على الجميع، لكن العمل لم ينتظر.

بدأنا البحث عن اللاعبين، وجمعنا تصريحات مهمة من نجوم المنتخب المغربي، كما تحدثنا مع بعض لاعبي المنتخب الهولندي لنقل ردود أفعالهم وانطباعاتهم بعد هذه المواجهة المجنونة.

وعندما انتهينا، بدأت رحلة العودة.

في البداية، صعدنا إحدى حافلات الفيفا العامة، قبل أن نفضل البحث عن الحافلة الخاصة بالوفد الصحفي المغربي والالتحاق بها للعودة جماعياً إلى الفندق.

كان الليل قد تقدم كثيراً.

كنا متعبين، جائعين، ومرهقين من ساعات طويلة من العمل والتوتر.

لكن التعب هذه المرة كان جميلاً.

عدنا إلى الفندق ونحن نحمل في جعبتنا تصريحات ومواد صحفية دسمة، لكننا كنا نحمل أيضاً شيئاً أهم بكثير:تأهلاً تاريخياً ألغى فكرة العودة إلى الديار.

الحقائب التي كنا نفكر في جمعها قبل دقائق، بقيت في أماكنها.

والرحلة التي ظننا أنها قد تنتهي في مونتيري، حصلت على تمديد جديد.

أما BBVA، فقد ترك لنا ليلة لن ننساها بسهولة؛ ليلة بدأت بالقلق، ومرت عبر كابوس الإقصاء، وانتهت بفرحة جعلتنا ننسى كل التعب.