الحلقة 25: هيوستن لا تهدأ.. ماراثون التغطية واحتفالية الجمهور المغربي

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

الحلقة 25: هيوستن لا تهدأ.. ماراثون التغطية واحتفالية الجمهور المغربي
الجمعة 3 يوليوز – يوم طويل بين التداريب، حرارة تكساس وميكرو-طروار الجماهير

كان واضحاً منذ الصباح أن الجمعة لن تكون يوما عاديا. البرنامج الذي توصلنا به عبر مجموعة الوفد الصحفي كان مزدحما بالمواعيد والتنقلات، وكل محطة مرتبطة بالأخرى بشكل يجعل أي تأخير صغير قابلا للتسبب في ارتباك باقي اليوم.

كانت البداية مبرمجة في العاشرة والنصف صباحا، بموعد الحصة التدريبية للمنتخب الوطني. أمامنا 15 دقيقة فقط من الفترة المفتوحة لوسائل الإعلام، ثم حوالي نصف ساعة لإنجاز المراسلات والمونتاج، قبل التوجه في الساعة 12:30 نحو الملعب الرئيسي، حيث كانت الندوة الصحفية للناخب الوطني محمد وهبي مبرمجة في الثانية والنصف بعد الزوال.

لكن برنامج اليوم لم يتوقف عند هذا الحد. في المساء، كان هناك موعد آخر لا علاقة له بالملعب هذه المرة، لكنه كان مهما بالنسبة لنا كصحفيين: تجمع الجماهير المغربية في هيوستن.

الحافلة لا تنتظر.. والوقت له ثمن

مع مرور الأيام، بدأنا نكتشف أن التعامل مع المواعيد في هيوستن لا يحتمل كثيرا من المرونة. الحافلة ستغادر في العاشرة والنصف بالضبط، ومن يتأخر عليه أن يتدبر أمره بشكل فردي.

وهكذا حدث بالفعل. تحركت الحافلة في موعدها، بينما اضطر بعض الزملاء الذين تأخروا لبضع دقائق إلى طلب سيارات "أوبر" على حسابهم الخاص للحاق بالوفد.

قد يبدو الأمر قاسيا، لكن طبيعة البرنامج كانت تفرض هذا النوع من الانضباط. فكل دقيقة لها حساب، وأي تأخير في محطة واحدة قد ينعكس على باقي اليوم.

ولم تكن المشكلة في المواعيد وحدها. هيوستن مدينة واسعة، ومواقع العمل لم تكن متقاربة. ملعب التدريبات كان في جهة، والملعب الرئيسي في جهة أخرى، وهو ما فرض علينا قطع مسافات طويلة في كل تنقل.

حرارة تكساس.. اختبار آخر

إلى جانب المسافات، كانت الحرارة حاضرة بقوة. الشمس كانت حارقة والجو خانقا، وكل مرة نغادر فيها الحافلة نشعر بثقل الطقس أكثر.

كان الأمر مرهقا بالنسبة لنا، خصوصا ونحن نعرف أن المباراة المرتقبة أمام كندا ستقام في توقيت الظهيرة، وفي ظروف مناخية مشابهة.

15 دقيقة.. ثم سباق مع الزمن

وصلنا إلى ملعب التدريبات، وبدأت عملية الاستغلال السريع للفترة المفتوحة أمام وسائل الإعلام.

15 دقيقة فقط، لكنها بالنسبة للصحفي الميداني تمر بسرعة كبيرة. صور، فيديوهات، لقطات للتداريب وتصريحات مع ثلاثة لاعبين من المنتخب الوطني، وكل ذلك في وقت محدود.

وبمجرد انتهاء الفترة المخصصة لنا، دخلنا في سباق آخر مع الزمن. كان أمامنا حوالي 30 دقيقة لإنجاز المراسلات والمونتاج وإرسال المواد، قبل العودة إلى الحافلة والتوجه نحو الملعب الرئيسي.

هناك، عقد الناخب الوطني محمد وهبي ندوته الصحفية في الثانية والنصف بعد الزوال، في محطة أخرى من محطات التغطية التي كانت تتطلب منا التركيز رغم الإرهاق المتراكم.

حين يصبح الغداء مهمة صحفية

بعد نهاية الندوة واستكمال التغطيات، ظهر تحد جديد لم يكن مدرجا في أي برنامج رسمي: أين سنتناول الغداء؟

البحث عن مطعم مناسب في محيط الملاعب لم يكن سهلا، المسافات طويلة، والحرارة مرتفعة، والإرهاق بدأ يظهر على الجميع.

اضطررنا إلى العودة إلى الفندق، ثم البحث في محيطه عن مكان مناسب لتناول وجبة واستعادة بعض الطاقة. كان الأمر أشبه بمهمة إضافية في يوم لم يترك لنا أصلا الكثير من الوقت للراحة.

لكن اليوم لم ينته هنا.

هيوستن بعيون مغربية.. زلزال من الأهازيج والرايات

كانت هناك محطة مسائية مختلفة تماما.

رغم انتهاء مدة عمل الحافلة، المحددة في ثماني ساعات يوميا من العاشرة صباحا إلى السادسة مساء، لم نكن مستعدين للتخلي عن موعد تجمع الجماهير المغربية، المقرر في الثامنة مساء.

توجهتُ رفقة الزميل سفيان بشكل مستقل نحو مكان التجمع. وما إن وصلنا حتى تغيرت الصورة بالكامل.

بعد يوم طويل من الملاعب والحافلات والمواعيد والحرارة، وجدنا أنفسنا وسط أجواء مغربية خالصة في قلب هيوستن. الرايات المغربية في كل مكان، الأهازيج تصدح، والجمهور يعيش المباراة قبل أن تبدأ.

كانت فرصة لا يمكن تفويتها، خصوصا أن مهمتنا لم تكن فقط الحضور، بل نقل هذا الشغف إلى الجمهور الذي يتابعنا في المغرب.

أنجزنا استطلاعاً ميدانيا واسعا (Micro-trottoir)، اقتربنا خلاله من الجماهير، تحدثنا معهم عن أجواء المباراة وانتظاراتهم، ورصدنا تلك الطاقة التي حملها المغاربة معهم إلى هيوستن.

وكان هذا العمل من ضمن المحتوى المنجز برعاية "مرجان" (Marjane)، وفقا لما كان مبرمجا مسبقا مع إدارة التحرير.

في تلك اللحظات، نسينا تقريبا تعب اليوم. لم تعد المسافات ولا الحرارة ولا الحافلة التي غادرت قبل ساعات هي الموضوع. وسط تلك الجموع، كان كل شيء يختصر في شيء واحد: المغرب وكندا، والانتظار الكبير للمباراة...لكن الملاحظة المهمة بالنسبة إلينا هي أن هيوستن مدينة الظلام..

هيوستن.. خبايا "مدينة الظلام" وغياب الأضواء

منذ الساعات الأولى لوصولنا إلى هيوستن، لفت انتباهنا شيء لم نكن نتوقعه في مدينة أمريكية بهذا الحجم. بعيدا عن الصورة التي ترسمها عادة المدن الكبرى بأضوائها الساطعة وشاشاتها العملاقة، بدت هيوستن لنا أكثر هدوءا وأقل إضاءة مما كنا نتخيل.

منذ خروجنا من المطار في اتجاه الفندق، عبر الحافلة، بدأنا نلاحظ هذا الأمر. الطرقات الرئيسية كانت مضاءة بشكل خافت، كما أن المباني لم تكن تعرف ذلك التوهج البصري الذي اعتدناه في مدن أمريكية أخرى. شيئا فشيئا، بدأ يتشكل لدينا انطباع طريف: هيوستن تبدو ليلا كأنها "مدينة الظلام".

ولم يتوقف هذا الانطباع عند التنقلات الأولى. حتى في المكان الذي احتضن تجمع الجماهير المغربية مساء، كانت الإضاءة محدودة، لتجد الأهازيج والرايات والأصوات المغربية نفسها وسط فضاء شبه مظلم.

وبدل أن تفسد العتمة المشهد، منحت الاحتفالية طابعا مختلفا. أضواء الهواتف، ألوان الرايات المغربية وأصوات الجماهير كانت هي مصدر الإضاءة الحقيقي، فتحولت العتمة إلى جزء من الصورة التي وثقناها بكاميراتنا.

كان مشهدا غريبا وجميلا في الوقت نفسه، جمهور مغربي يصنع أجواءه الخاصة في قلب هيوستن، وسط شوارع هادئة وإضاءة خافتة، وكأن الشغف القادم من المغرب كان أقوى من كل أضواء المدينة.