يصدق على السي عبد القادر الرتناني، الذي وافاه الأجل المحتوم ليلة الاثنين الثلاثاء، بأحد مستشفيات العاصمة الرباط، عن عمر يناهز 77 سنة، أنه كتب التاريخ مع نادي الرجاء الرياضي بقلبه، ويديه، وبأحرف من ذهب.
طيلة السنوات التي قضاها السي عبد القادر الرتناني، المثقف والأديب، وعاشق الكلمة، واللوحة، والفنون، رئيسا للمكتب المسير لنادي الرجاء الرياضي، لكرة القدم، في الفترة من 11 دجنبر 1985 إلى يوليوز 1989، لم يكن مجرد مسير عادي، بل كان رجل ذا رؤية بعيدة المدة، وصاحب إلهام.
ورغم أنه دفع دفعا ليرشح نفسه للرئاسة، إثر مرحلة رمادية صعبة مر بها النادي الأخضر، فإنه، وحالما أمسك بزمام القيادة، قرر أن يمضي قدما وبحزم في تدبيره للأمور المالية، فضلا عن الجانب التقني. انتقل الراحل إلى نادي بوردو، لينقل منه تجربته الاحترافية، فكان له السبق في التأسيس لإدارة حديثة، مما خول له التوقيع على عقد شراكة مع مكتب الموانئ، "أوديب"، يتيح للاعبي الرجاء الاشتغال بالشركة المعروفة، والتوقيع على عقد للاستشهار مع شركة شيميكولور، بمبلغ مليون درهم، وهو مبلغ كبير في تلك الأثناء.
ومع أن رئاسة الرجاء الرياضي، ولاسيما من لدن رجل حكيم، ولطيف، ولبق، وصاحب قلب عاشق للأدب وللشأن الثقافي، لم يتكن ميسرة، ولا طريقها بالمفروش بالورد، فإن سي عبد القادر الرتناني عرف كيف يوازن بين المحيط الملتهب، ورغبات الجماهير المشحونة، وكثرة الطلبات، بل وحتى كثرة المطبات، ليصل بالفريق إلى شاطئ النجاة تسييريا، ويصل به إلى الهدف الكبير، وهو الفوز بلقب البطولة.
ومثلما يحدث دائما من قبل الرجال الكبار، الذين يكتبون التاريخ بأحرف من ذهب، فإن السي عبدالقادر الرتناني لم يستغل الفوز باللقب سنة 1988 ليخلد في موقعه، بل على العكس من ذلك، قرر أن يكون رحيله سريعا، على إيقاع "خليها فعزها"، بحيث خرج من الباب الواسع جدا، راضيا مرضيا عليه، ورأسه مرفوع للغاية. وهو صاحب أول لقب للبطولة في تاريخ الرجاء الرياضي، الذي تأسس سنة 1949، واحتاج وقتا طويلا جدا لكي يربح لقبا يليق بفريق تاريخي كبير وملهم.
ومثلما كتب التاريخ برئاسته للرجاء الرياضي، فقد أسهم السي الرتناني، رحمه الله، في تأليف أول كتاب عن الرجاء الرياضي، واسمه "ملحة الرجاء"، بأن كان له سبق التفكير في التدوين، ووفر الوثيقة، والصورة، والوقت، والجهد، والألفة، أيضا، بين من اجتمعوا للعمل، وتعاونوا عليه. بل أكثر من ذلك، فقد كان بصدد كتاب آخر عن الرجاء، يدونه، ويهيئه لإلقاء الضوء على أشياء عرفها، أو عاشها، أو سمع عنها، وتوثقت لديه.
سيتساءل كثيرون، الآن ولاحقا، كيف تسنى لرجل مثل السي عبدالقادر الرتناني أن يكون رئيسا للرجاء، ومتابعا حثيثا لتفاصيله، وينشغل بالكتاب، والنشر، والتأليف، ويرأس جمعيات في المجال، ويسهر على تدبير مكتبة، ويفعل أشياء أخرى كثيرة لها صلة بصميم تاريخ المغرب، وثقافته، وجذوره؟
هناك رجال من هذا القبيل. مفرد بصيغة الجمع. لأجل ذلك يدون التاريخ أسماءهم. يصبحون أشبه بمحطات للتوقف في الذاكرة. ويتحولون مع مرور الوقت إلى دروس للعبرة، والتعلم، والحصول على نفس في الحياة. والسي عبدالقادر الرتناني واحد من هؤلاء، تماما مثلما هو الأمر بالنسبة إلى أولئك الذين أسسوا الرجاء الرياضي، ذات يوم من أيام الحماية الفرنسية، أو التحقوا به، وأثروه، وصاروا جزءا من نسيجه الرياضي والثقافي والاجتماعي أيضا.
رحم الله السي الرتناني، وإنا لله وإنا إليه راجعون.