الحلقة 21:بعد ملحمة هولندا.. كواليس الرحيل من مونتيري نحو هيوستن

بعد التأهل التاريخي أمام هولندا، عاش الوفد الصحفي المغربي في مونتيري يوماً استثنائياً جمع بين فرحة الانتصار، إكراهات السفر، إشادة التحرير، ووعكة صحية مفاجئة للزميل سفيان.

الحلقة 21:بعد ملحمة هولندا.. كواليس الرحيل من مونتيري نحو هيوستن


الثلاثاء 30 يونيو والأربعاء 1 يوليوز– إكراهات التنقل واستراحة المحارب نحو هيوستن

بعد ليلة الانتصار التاريخي على هولندا، كان من الصعب أن نخرج بسرعة من أجواء الفرحة. مونتيري كلها بدت وكأنها محطة مؤقتة لاحتفال مغربي كبير، بينما كانت أخبار التأهل تصلنا من المغرب محمّلة بفرحة الجماهير والاحتفالات التي عمت مختلف المدن.

لكن، وكما يحدث دائماً في السفر، لا تستمر الأمور على نفس الإيقاع طويلاً. فبعد فرحة الملعب، بدأت حسابات الرحلة المقبلة، وكان السؤال هذه المرة: كيف سنصل إلى هيوستن؟

في البداية، كان الحديث عن التنقل براً عبر الحافلة. المسافة موجودة، والرحلة كانت تبدو ممكنة على الورق، لكن عبور الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة فرض حسابات أخرى. الإجراءات، والوقت، والترتيبات اللوجستية جعلت فكرة الحافلة أكثر تعقيداً مما كنا نتوقع.

وبعد أخذ ورد، تم التخلي عن خيار السفر براً، وقررنا البقاء يوماً إضافياً في مونتيري، في انتظار أن تنتهي الجهات المنظمة من تأمين رحلة جوية مباشرة إلى هيوستن، إلى جانب الفندق الذي سنقيم فيه هناك.

وهكذا، وبعد أن كنا نعتقد أننا سنغادر بسرعة، وجدنا أنفسنا أمام يوم إضافي في مونتيري، يوم لم يكن مخططاً له، لكنه منحنا فرصة لالتقاط الأنفاس قليلاً بعد أيام طويلة من العمل والتنقل.

إشادة التحرير.. وتكليف جديد

صباح الثلاثاء حمل معه خبراً آخر، هذه المرة من المغرب.

رن الهاتف، وكان على الطرف الآخر مدير التحرير بمجموعة "لو ماتان"، الأستاذ سهيل النحيلي. المكالمة بدأت بالتهنئة على التأهل، وبعبارة بقيت عالقة في ذهني: "تبارك الله عليكم!"

كانت مكالمة قصيرة، لكنها كانت مهمة بالنسبة لنا. بعد كل تلك الساعات في الملاعب، والتنقل، والانتظار، والعمل تحت الضغط، يكون من الجميل أن تشعر بأن المجهود الذي تبذله في الميدان يصل إلى مكتب التحرير ويحظى بالتقدير.

لكن التهنئة لم تكن وحدها في المكالمة. سرعان ما انتقلنا إلى العمل.

كان المطلوب إعداد تغطية ميدانية خاصة، من خلال استطلاع آراء الجماهير (Micro-trottoir) لرصد أجواء الفرحة وانطباعات المغاربة بعد التأهل وخلال المباريات المقبلة، على أن تكون المادة برعاية شركة "مرجان".

مرة أخرى، لم يكن هناك وقت طويل للراحة. حتى في يوم السفر المؤجل، كانت هناك مادة جديدة تنتظر الإنجاز.

استراحة المحارب.. ثم وعكة سفيان

مع حلول فترة العصر، وبعد أن أصبح الثلاثاء عملياً يوم راحة إجبارياً في انتظار ترتيبات السفر، فكرنا في استغلال الفرصة للخروج قليلاً واكتشاف بعض معالم مونتيري.

اتفقت مع الزميل أمين الرعد على القيام بجولة خفيفة في المدينة. كنا بحاجة فعلاً إلى بعض الهواء خارج الفندق، خصوصا بعد الأيام المتواصلة التي قضيناها بين الملاعب، والمراكز الإعلامية، والحافلات والفنادق.

لكن قبل أن نغادر، تغيرت الخطة تماماً.

طرق الزميل سفيان باب الغرفة، وكان واضحاً منذ اللحظة الأولى أنه ليس بخير. وجهه كان شاحباً، وعلامات التعب كانت بادية عليه بشكل كبير.

بعد الحديث معه، تبين أنه يعاني من آثار ضربة شمس وإرهاق قوي، على ما يبدو نتيجة المجهود والحرارة التي رافقت تغطية مباراة هولندا.

هنا لم يعد هناك مجال للجولة السياحية.

ألغيت خروجي وقررت البقاء في الفندق إلى جانب سفيان والاطمئنان عليه، بينما اقترحت على أمين أن يواصل جولته ويستغل اليوم لاكتشاف المدينة.

في النهاية، الصحافة الميدانية ليست فقط كاميرا ودفتر ملاحظات ومواعيد. أحياناً تكون زميلك الذي يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، خصوصاً عندما تكون بعيداً عن بلدك وأهلك.

بين العمل والحقائب.. انتظار الرحلة

مرّ باقي اليوم بين الاطمئنان على حالة سفيان، وإنجاز العمل المطلوب، وتجميع المواد والتغطيات التي كان علينا إرسالها.

وفي الوقت نفسه، كنا ننتظر التأكيد النهائي بشأن موعد المغادرة.

وجاء الحسم عبر رسالة من المنسق الإعلامي يوسف بصور، وضع من خلالها أمامنا البرنامج النهائي للرحلة:"السلام عليكم زميلاتي وزملائي الأعزاء.

بالنسبة لبرنامج الرحلة إلى هيوستون سنمضي هذه الليلة في فندق إقامتنا بمونتيري، على أن نغادر الفندق يوم غد الأربعاء على متن الحافلة في اتجاه المطار على الساعة الثانية والنصف (14:30) بعد الظهر، للتوجه صوب هيوستون على متن رحلة جوية مباشرة مبرمجة على الساعة السابعة مساء (19:00).

رحلة موفقة للجميع."

وأخيراً، أصبح كل شيء واضحاً.

الأربعاء سيكون يوم الرحيل عن مونتيري. الحافلة ستأخذنا إلى المطار، ومن هناك سنستقل الطائرة مباشرة نحو هيوستن.

بدأنا في ترتيب الحقائب، ومراجعة المعدات، والتأكد من أن كل شيء جاهز للمرحلة المقبلة.

كانت مونتيري على وشك أن تصبح ذكرى.

مدينة دخلناها وسط ضغط المباريات والتغطية، وعشنا فيها واحدة من أقوى لحظات هذا المونديال، وخرجنا منها بالكثير من القصص التي ستبقى معنا طويلاً.