زابيري...حكاية موهبة مغربية صنعت طريقها من مراكش إلى العالمية

من ملاعب الأحياء الشعبية بمراكش إلى منصة التتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، شق ياسر زابيري طريقه عبر محطات متباينة، تخللتها خيبات واستبعاد وقلة مشاركة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم المغربية. رحلة توجها بالمجد العالمي في تشيلي سنة 2025، وتفتح أمامه اليوم تحدياً جديداً لإثبات قدرته على التألق والاستمرارية في الملاعب الأوروبية.

زابيري...حكاية موهبة مغربية صنعت طريقها من مراكش إلى العالمية


لم تكن رحلة ياسر زابيري نحو النجومية طريقاً مستقيماً أو مفروشاً بالورود، بل مساراً تعاقبت فيه محطات التكوين والإخفاق والانتظار، قبل أن يكتب اسمه ضمن أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم المغربية.

فمن ملاعب الأحياء الشعبية بمدينة مراكش، مروراً بالكوكب المراكشي وأكاديمية محمد السادس واتحاد تواركة، وصولاً إلى الملاعب الأوروبية، شق المهاجم المغربي طريقه بثبات، قبل أن يبلغ ذروة تألقه بقيادة المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة إلى التتويج بكأس العالم في تشيلي سنة 2025.

بدأت حكاية زابيري في أحياء المدينة الحمراء، حيث تعلم أبجديات كرة القدم فوق مساحات بسيطة، قبل أن يلتحق بالكوكب المراكشي في سن الثامنة. وهناك وضع أولى لبنات تكوينه الكروي، بعدما اكتسب مجموعة من الخصائص الهجومية التي سترافقه لاحقاً، خصوصاً حسن التمركز والقدرة على استغلال الفرص والتحرك بذكاء داخل منطقة الجزاء.

وشكل انتقاله إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم سنة 2015 منعطفاً مهماً في مسيرته، إذ قضى داخل هذا الصرح نحو تسع سنوات ونصف، خضع خلالها لتكوين متكامل جمع بين الدراسة والتدريبات والاحتكاك بمدارس كروية مختلفة.

وقد أقر اللاعب نفسه بأهمية هذه التجربة، معتبراً أن الإمكانات التي وفرتها الأكاديمية والرعاية التي حظي بها أسهمتا بشكل كبير في بلوغه المستوى الذي وصل إليه.

وبعد مغادرة الأكاديمية في يناير 2024، التحق زابيري باتحاد تواركة، في خطوة مهدت لانتقاله من كرة القدم الخاصة بالفئات السنية إلى عالم الاحتراف.

وخاض مباراته الرسمية الأولى يوم 7 فبراير من السنة ذاتها أمام سريع وادي زم، قبل أن يسجل هدفه الاحترافي الأول في شباك شباب المحمدية، ليبدأ اسمه في لفت انتباه كشافي الأندية الأوروبية.

وفي 26 غشت 2024، اختار خوض أولى تجاربه الاحترافية خارج المغرب، بعدما وقع عقداً لأربعة مواسم مع فاماليكاو البرتغالي. غير أن بداية المغامرة الأوروبية لم تكن سهلة، إذ واجه منافسة قوية على مركزه، واكتفى بخوض خمس مباريات خلال موسم 2024-2025، رغم نجاحه في تسجيل هدفين خلال أول مشاركة أساسية له في كأس البرتغال أمام لاغوا.

ورغم محدودية فرص اللعب، لم يفقد المهاجم المغربي ثقته في إمكاناته، واختار مواصلة العمل وانتظار الفرصة المناسبة. وكانت هذه المرحلة بمثابة اختبار مبكر لصبره وقدرته على التعامل مع صعوبات الاحتراف، خصوصاً أنه كان يطمح إلى الحصول على مكانة أساسية تتيح له إبراز مؤهلاته.

وعلى مستوى المنتخبات الوطنية، لم تكن بدايته أكثر سهولة. ففي سنة 2023، تلقى دعوة من المدرب محمد وهبي للانضمام إلى المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة، لكنه استُبعد لاحقاً من القائمة النهائية المشاركة في دوري موريس ريفيلو بفرنسا. غير أن هذه الخيبة لم توقف مساره، بل دفعته إلى مضاعفة جهوده، ليعود في نونبر 2024 ويساهم في تتويج المنتخب المغربي بلقب بطولة اتحاد شمال إفريقيا.

وتواصل حضوره مع "أشبال الأطلس" خلال كأس أمم إفريقيا لأقل من 20 سنة سنة 2025، حيث سجل هدفين أمام كينيا في المباراة الأولى من دور المجموعات، قبل أن تحرمه الإصابة من استكمال المنافسة، في وقت واصل فيه المنتخب المغربي مشواره حتى المباراة النهائية.

زابيري...حكاية موهبة مغربية صنعت طريقها من مراكش إلى العالمية


لكن الموعد الأهم في مسيرة زابيري كان خلال نهائيات كأس العالم لأقل من 20 سنة بتشيلي سنة 2025، بعدما قرر تلبية دعوة المنتخب المغربي، رغم تحفظات ناديه فاماليكاو بشأن مغادرته للمشاركة في البطولة.

وكان ذلك القرار نقطة تحول حقيقية في مسيرته، إذ قدم مستويات لافتة، وسجل أمام إسبانيا والبرازيل وكوريا الجنوبية، قبل أن يتألق بصورة استثنائية في المباراة النهائية أمام الأرجنتين، عندما أحرز هدفين في الدقيقتين 12 و29، ليساهم بشكل مباشر في تتويج المغرب بأول لقب عالمي في تاريخ هذه الفئة.

وأنهى زابيري البطولة بخمسة أهداف، متقاسماً صدارة ترتيب الهدافين، ليخرج من المنافسة العالمية بصورة مختلفة تماماً عن اللاعب الذي كان يبحث عن دقائق اللعب في البرتغال. فقد تحول إلى أحد أبرز نجوم البطولة، وارتفعت أسهمه في سوق الانتقالات الأوروبية، بفضل قدرته على الحسم في المباريات الكبرى وتنوع أساليبه التهديفية.

ولم يكن تألقه في تشيلي مجرد محطة عابرة، بل فتح أمامه أبواب مرحلة جديدة من مسيرته الاحترافية، بعدما تعاقد معه ستاد رين الفرنسي في الثاني من فبراير 2026، قادماً من فاماليكاو، في صفقة قدرت قيمتها بنحو 10 ملايين يورو، وبعقد يمتد إلى يونيو 2029.

ورغم طموحاته الكبيرة عند الانتقال إلى الدوري الفرنسي، لم تكن مشاركاته منتظمة بالقدر الذي كان ينتظره، في ظل حاجته إلى التأقلم مع متطلبات المنافسة واكتساب المزيد من الخبرة. وهو ما دفع النادي الفرنسي إلى إعارته إلى راسينغ سانتاندير الإسباني في 29 يوليوز 2026، لمدة موسم واحد، بهدف منحه فرصة أكبر للمشاركة واستعادة إيقاع المنافسة.

وبالتوازي مع تطوره على مستوى الأندية، جاءت مكافأته الدولية في مارس 2026، عندما تلقى أول استدعاء للالتحاق بالمنتخب المغربي الأول، تحت قيادة المدرب محمد وهبي، الذي سبق له استبعاده من قائمة منتخب أقل من 20 سنة سنة 2023. وشكلت هذه الدعوة محطة بارزة في مساره، وعكست التحول الذي عرفته مكانته خلال سنوات قليلة، من لاعب لم يتمكن من ضمان مكانه ضمن الفئات السنية إلى موهبة باتت مرشحة لتقديم الإضافة لـ"أسود الأطلس".

ويمتلك زابيري مجموعة من الخصائص التي تجعله مهاجماً واعداً، في مقدمتها الحس التهديفي والقدرة على التسجيل بالرأس والقدمين، إلى جانب حسن التحرك داخل منطقة الجزاء والشخصية التي أظهرها في المواعيد الكبرى. كما أن تجربته، بما شهدته من استبعاد وإصابة وقلة مشاركة، كشفت عن قدرته على تجاوز الصعوبات دون التخلي عن طموحه.

غير أن التحدي الأكبر الذي ينتظره في المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل تألقه خلال البطولات الكبرى إلى استمرارية على مستوى المنافسات الأسبوعية، سواء مع راسينغ سانتاندير خلال تجربته الحالية أو عند عودته إلى ستاد رين. فالموهبة التي قادت المغرب إلى المجد العالمي تحتاج اليوم إلى دقائق لعب منتظمة، تسمح لها بتطوير إمكاناتها وترجمة مؤهلاتها إلى أرقام وإنجازات مستمرة.

وبين بداياته المتواضعة في أحياء مراكش وأضواء التتويج العالمي في تشيلي، قطع زابيري مسافة مهمة في ظرف زمني قصير. لكن قصة المهاجم المغربي لا تبدو مكتملة بعد؛ فالتحدي الحقيقي لم يعد إثبات قدرته على التألق في مباراة نهائية، بل تأكيد أنه قادر على المحافظة على المستوى ذاته طوال موسم كامل، وفرض اسمه بين المهاجمين البارزين في كرة القدم الأوروبية.