وبين رهانات التنافس الدولي وتحديات التكوين واكتساب الخبرة، أنهى المنتخب الوطني المغربي مشاركته في المركز الثاني عشر، في تجربة أولى أفرزت نتائج متباينة، لكنها أتاحت للاعبات فرصة ثمينة للاحتكاك بمدارس كروية مختلفة والوقوف على متطلبات المنافسة في هذا المستوى.
وبقدر ما أفرزته النتائج من مؤشرات تستدعي مواصلة العمل، كشفت المشاركة المغربية عن روح تنافسية ورغبة واضحة لدى اللاعبات في التعلم وتطوير مستواهن، رغم الإصابات والإكراهات البدنية التي رافقت المجموعة. كما أتاح هذا الموعد الدولي تقييم العمل المنجز، وتحديد جوانب القوة ومجالات التطوير، في أفق بناء منتخب أكثر جاهزية للاستحقاقات المقبلة.نتائج متباينة ومكتسبات تتجاوز الترتيب
أنهى المنتخب المغربي دور المجموعات في المركز الثالث، بعدما خاض مواجهات أمام منتخبات كازاخستان والولايات المتحدة الأمريكية والصين.
ونجحت العناصر الوطنية في تحقيق فوز عريض على المنتخب الأمريكي بنتيجة 38 مقابل 16، مقابل الهزيمة أمام كازاخستان والصين، قبل أن تنهي مشاركتها في المركز الثاني عشر، عقب خسارتها أمام المنتخب التونسي في مباراة تحديد المراكز.
وفي المقابل، شهدت المباراة النهائية تتويج المنتخب الألماني بلقب النسخة الأولى من البطولة، بعد فوزه على نظيره الهنغاري بنتيجة 37 مقابل 32. كما أنهى المنتخب المصري المنافسة في المركز الخامس، فيما احتلت تونس المركز الحادي عشر، في حصيلة عكست تفاوت مستويات المنتخبات المشاركة وتباين تجاربها في المنافسات الدولية.
وبعيدا عن الترتيب النهائي، فإن القراءة الفنية للمشاركة المغربية تبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى فئة عمرية لا تزال في مرحلة البناء والتكوين. فقد وجدت اللاعبات أنفسهن أمام إيقاع تنافسي مختلف، ومدارس متنوعة في الأداء، ومتطلبات بدنية وتقنية وذهنية لا يمكن اكتسابها من خلال التداريب وحدها، وهو ما يجعل الاحتكاك الدولي رافعة أساسية لتطوير المستوى.
هريولي: اللاعبات أظهرن التزاما كبيرا والتجربة منحتنا دروسا مهمة
وفي تقييمه لهذه المشاركة، أكد الإطار الوطني منير هريولي أن التجربة كانت إيجابية في مجملها، على المستويين الرياضي والإنساني، مشيدا بما أظهرته اللاعبات من التزام ورغبة في تمثيل المغرب والدفاع عن ألوانه بكل إصرار واعتزاز.
وأوضح أن الإصابات التي عرفتها المجموعة فرضت على الطاقم التقني إجراء تعديلات متواصلة، واضطرت بعض اللاعبات إلى شغل مراكز غير مراكزهن المعتادة، والتكيف مع متطلبات المباريات بحسب الظروف والإمكانات المتاحة. ورغم هذه الإكراهات، أبدت العناصر الوطنية قدرة على التكيف والتضامن، وواصلت العمل بروح جماعية، واضعة مصلحة المنتخب فوق الاعتبارات الفردية.
واعتبر هريولي في تصريح لموقع "لوماتان سبورت"، أن مثل هذه الظروف تشكل جزءا من مسار بناء المنتخب، لأنها تساعد اللاعبات على تحمل المسؤولية، وتطوير المرونة التكتيكية، والخروج من دائرة الأدوار المألوفة، وتعزيز ثقتهن في قدراتهن الفردية والجماعية.
وشدد هريولي، في السياق ذاته، أن الإعداد البدني يعد من أبرز الدروس المستخلصة من البطولة، بالنظر إلى قوة المباريات ومتطلبات المنافسة الدولية، مشيرا إلى أن اللاعبات أصبحن أكثر وعيا بحجم العمل الذي ينتظرهن، وأبدين استعدادا للانخراط في برامج إعداد بدني فردية، موازاة مع التداريب الجماعية، بما يساعدهن على رفع جاهزيتهن وتحسين قدرتهن على خوض المباريات المتتالية بالمستوى المطلوب.
وأضاف أن إنهاء المنافسة ضمن قائمة أفضل 12 منتخبا في أول مشاركة عالمية ليس بالهين ويمثل خطوة مهمة في مسار المشروع، وليس غاية في حد ذاته، مؤكدا ضرورة البناء على المكتسبات المحققة، وتطوير المؤهلات التقنية والبدنية للاعبات، وتعزيز قاعدة العمل استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
استقبال متميز ومواكبة تنظيمية ساعدت على التركيز
ومن الجوانب التي حظيت بتقدير الإطار الوطني جودة الاستقبال والتنظيم بمدينة أكادير، حيث نوه بظروف الإقامة والتغذية وتدبير التنقلات، وبالمجهود الذي بذلته الجامعة لضمان أجواء ملائمة للمنتخبات المشاركة.
وأكد أن توفير هذه الظروف، بما في ذلك التنقلات المؤمنة والمواكبة، ساعد اللاعبات وأفراد الطاقم على التركيز على الاستعداد للمباريات والاسترجاع البدني، وعزز الانسجام داخل المجموعة. كما وجه الشكر إلى الصحفيين الذين واكبوا مسار المنتخب، معتبرا أن حضورهم واهتمامهم بالمشاركة المغربية أسهما في التعريف بمجهودات اللاعبات ومنح كرة اليد النسوية المغربية مساحة أكبر من الاهتمام الإعلامي.
وفي السياق نفسه، شكلت زيارة رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة اليد إلى مقر إقامة العناصر الوطنية بمدينة أكادير، من أجل تشجيع اللاعبات ومساندتهن، بادرة معنوية مهمة، تعكس الاهتمام بمسار الفئات العمرية الصغرى وتحفيزها على مواصلة التطور واكتساب الخبرة في المنافسات الدولية.
طاقم تقني وطبي في مواجهة الإكراهات
وفي حديثه عن ظروف المشاركة، حرص هريولي على التنويه بالعمل الذي قام به أفراد الطاقم التقني، مثمنا التزام حفيظة جازولي، وكيفن دیکو، وما قدموه من مواكبة ومجهودات طوال البطولة.
كما خص بالشكر أحمد رفيق، طبيب المنتخب، تقديرا للعمل الكبير الذي قام به في رعاية اللاعبات والتعامل مع الإصابات العديدة التي شهدتها المنافسة، في ظل ظروف بدنية صعبة فرضت متابعة مستمرة وتنسيقا بين مختلف مكونات الطاقم.
وتبرز هذه الشهادة أهمية العمل الجماعي والتكامل بين الأدوار التقنية والطبية والإدارية، خصوصا في منافسات قصيرة ومكثفة تتطلب تدبيرا دقيقا للجهد البدني، ومواكبة مستمرة لحالة اللاعبات، والحفاظ على تماسك المجموعة ومعنوياتها رغم الصعوبات.
استقرار المجموعة وتكثيف التربصات لبناء منتخب المستقبل
ولا تبدو الحصيلة المغربية نهاية لمسار، بقدر ما تمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تتطلب استثمار ما تحقق من مكتسبات. ويبرز في هذا الإطار الرهان على الحفاظ على استقرار المجموعة، ومواصلة تأطير اللاعبات أنفسهن، مع البحث عن تعزيزها بعناصر جديدة قادرة على رفع مستوى التنافس الداخلي وتوسيع قاعدة الاختيارات أمام الطاقم التقني.
كما تبرز الحاجة إلى تكثيف التجمعات والتربصات الإعدادية، ومنح اللاعبات فرصا أكبر للممارسة والاحتكاك، بما يسمح بتطوير الانسجام الجماعي وتحسين الجاهزية البدنية والتقنية والذهنية. فالتجربة الدولية الأولى، على أهميتها، تحتاج إلى الاستمرارية حتى تتحول إلى رصيد فعلي ينعكس على الأداء في المنافسات المقبلة.
ويظل توسيع قاعدة ممارسة كرة اليد النسوية بالمغرب من الرهانات الأساسية لهذه المرحلة، من خلال تشجيع الفتيات على الالتحاق بالأندية، وتطوير برامج التكوين القاعدي، وضمان مواكبة مستمرة للفئات العمرية الصغرى. فكلما اتسعت قاعدة الممارسة، ازدادت فرص اكتشاف المواهب وصقلها، وتعززت إمكانية بناء منتخب تنافسي على المدى البعيد.
وتنسجم هذه الرؤية مع تأكيد هريولي أن المجموعة تتوفر اليوم على قاعدة عمل واعدة، وأن المطلوب هو مواصلة تطويرها والاستفادة من الدروس المستخلصة من البطولة.
مشاركة ناجحة تنظيميا وتجربة تستدعي الاستمرارية
وعلى المستوى العام، قدمت مدينة أكادير صورة إيجابية عن قدرتها على احتضان تظاهرة عالمية للفئات العمرية الصغرى، بفضل ظروف الاستقبال والتنظيم والمواكبة التي رافقت المنافسة. أما بالنسبة إلى المنتخب المغربي،
وتبقى القيمة الحقيقية لهذه التجربة مرتبطة بمدى القدرة على تحويل دروسها إلى برامج عملية، قوامها استقرار المجموعة، وتكثيف التربصات، وتحسين الإعداد البدني، وتعزيز التكوين التقني، وتوسيع قاعدة اللاعبات، مع الحفاظ على الروح الجماعية التي أظهرتها العناصر الوطنية في مواجهة الإكراهات.
وفي ختام تقييمه، جدد منير هريولي شكره لمدينة أكادير والجامعة والمنظمين والصحفيين، وللجمهور الذي كان يشجع ويساند الفريق كلما ولج ارضية قاعة الانبعاث.
واعتبر أن المركز الثاني عشر يمثل محطة أولى في مسار طويل، وأن المسؤولية المطروحة اليوم تتمثل في تحويل التجربة الدولية إلى تطور مستدام، والاستعداد بطموح أكبر للاستحقاقات المقبلة ولما لا كأس افريقيا يقول هريولي، بما يخدم مستقبل كرة اليد النسوية المغربي.