الحلقة 29: إنذار السادسة صباحا... يوم طويل قبل مواجهة فرنسا

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

الحلقة 29: إنذار السادسة صباحا... يوم طويل قبل مواجهة فرنسا


الاربعاء 08 يوليوز – 24 ساعة قبل مواجهة فرنسا في بوسطن

كان من المفترض أن يكون يومنا الأخير قبل مواجهة فرنسا هادئا نسبيا، أو على الأقل أن نتمكن من أخذ قسط من الراحة قبل الموعد الكبير، لكن الأمور بدأت بطريقة مختلفة تماما.

قبل أن يبدأ يومنا الصحفي فعليا، كان الفندق قد عاش لحظات من الارتباك، وبعدها توالت الندوات الصحفية، والتغطيات في شوارع بوسطن، ثم التدريب الأخير للمنتخب. يوم كامل من التفاصيل الصغيرة، لكنها كلها كانت تحمل إحساسا واحدا: نحن على بعد ساعات قليلة من مباراة لا تشبه أي مباراة أخرى.

السادسة صباحا.. إنذار يوقظ الفندق

كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا. الفندق هادئ، ومعظم الناس نائمون، وفجأة دوى صوت إنذار الحريق.

بالنسبة لي وللزميل أمين رعد، كان الأمر مزعجا أكثر، لأن جهاز الإنذار كان قريبا جدا من غرفتنا في الطابق الخامس عشر.

استيقظنا على صوت قوي وسط ارتباك لم نفهم سببه في البداية. فتحنا الباب، وبدأنا نرى حركة غير عادية في الممرات. بعض الزملاء كانوا قد بدأوا بالنزول عبر الأدراج، فيما فضل آخرون الانتظار لمعرفة ما إذا كان الأمر جديا فعلا.

في مثل هذه اللحظات، لا تعرف تماما ماذا تفعل. هل تنزل؟ هل تنتظر؟ هل هو إنذار حقيقي أم مجرد عطل؟

بعد دقائق، وصلت سيارات الإطفاء، وصعدت الفرق المختصة إلى الطوابق العليا للتأكد من الوضع. وبعد عملية التفقد، اتضح أن الأمر لم يكن سوى إنذار كاذب بسبب عطل تقني.

انتهى كل شيء، وعاد الهدوء إلى الفندق، لكن بالنسبة لنا، كان النوم قد انتهى أيضا.

وهكذا، بدأ يومنا قبل الموعد الذي خططنا له بكثير.

أمام ديشان.. نعود إلى "خطة هيوستن"

بعد ذلك، جاء موعد الندوة الصحفية للمدرب الفرنسي ديدييه ديشان.هنا عدنا إلى العمل بتركيز أكبر.

كان الفريق الصحفي المغربي حاضرا، والأسئلة معدة مسبقا، خصوصا أن هذه كانت فرصة أخيرة لمحاولة معرفة ما يدور في ذهن المدرب الفرنسي قبل المباراة.

الأسئلة كانت باللغة الفرنسية، ومباشرة، وتركز على الجانب التكتيكي، وعلى خيارات المنتخب الفرنسي، وعلى بعض التفاصيل التي يمكن أن تساعدنا في فهم الطريقة التي يستعد بها ديشان للمباراة.

كانت هذه هي الفكرة نفسها التي بدأنا بها في هيوستن: لا نكتفي بما يقوله المدرب، بل نحاول أن نقرأ ما وراء كلامه.

بالطبع، ديشان ليس من النوع الذي يمنحك كل شيء بسهولة. لكن حتى في مثل هذه الندوات، يمكن أحيانا لطريقة الإجابة أو اختيار الكلمات أن تكشف بعض الأشياء.

ندوة وهبي ودياز.. توتر لم يكن في الحسبان

بعد تلك البداية، توجهت رفقة أمين إلى الندوة الصحفية للناخب الوطني محمد وهبي وإبراهيم دياز.

كانت الندوة مهمة، باعتبارها آخر ظهور إعلامي للمنتخب قبل مواجهة فرنسا، وكان الجميع يريد معرفة ما يمكن أن يقوله وهبي، وما إذا كان سيكشف شيئا من أفكاره أو خياراته، لكن وسط الأسئلة، وقع شيء لم يكن أحد يتوقعه.

دخل صحفي مغربي في نقاش حاد مع صحفي برازيلي كان موجودا في القاعة. البداية كانت بسبب أسبقية طرح الأسئلة ولمس الصحافي البرازيلي المغرب بطريقة عنيفة، لكن النقاش سرعان ما ارتفعت حدته.

تبادل الطرفان بعض العبارات الغاضبة، قبل أن يتدخل عدد من الزملاء ومسؤولي التنظيم لإنهاء الموقف.

لم يستمر الأمر طويلا، وعادت الندوة إلى مسارها الطبيعي.

لكن تلك الدقائق كانت كافية لتغيير أجواء القاعة. في مؤتمر يفترض أن يكون كل التركيز فيه منصبا على مباراة فرنسا، وجدنا أنفسنا أمام مشادة جانبية لم تكن في الحسبان.

بوسطن تعيش على إيقاع المغرب.. و"الفلامة" تصيب سفيان

وفي الوقت الذي كنا فيه داخل قاعة الندوة، كان الزميل سفيان يعيش قصة أخرى في شوارع بوسطن.

الجماهير المغربية بدأت تنتشر في المدينة، والأجواء كانت مختلفة. أهازيج، أعلام، قمصان المنتخب، وصور وأجواء احتفالية توحي بأن المباراة بدأت قبل موعدها.

كان سفيان يقوم بتصوير استطلاعات وأحاديث مع الجماهير (Micro-trottoir)، ويحاول نقل تلك الأجواء إلى المتابعين.

وخلال تصوير أحد المقاطع، وبينما كانت الجماهير تشعل الشهب الاصطناعية أو ما نسميه نحن "الفلامة"، تطايرت بعض الشرارات في اتجاهه.

والنتيجة؟

الميكروفون لم ينج.

غطاؤه الإسفنجي احترق، كما أصابت الشرارات جزءا من قميص المنتخب الذي كان يرتديه سفيان.

لحسن الحظ، لم يصب بأي أذى. كانت مجرد لحظة مفاجئة تسببت في خسائر مادية فقط.

لكنها كانت واحدة من تلك التفاصيل التي تجعل التغطية الميدانية مختلفة عن أي عمل صحفي عادي. أنت تنزل إلى الشارع لتسأل الناس عن المباراة، وقد تعود بميكروفون محروق وقميص يحمل آثار "الفلامة".

التدريب الأخير.. الآن انتهى وقت الفضول

وفي فترة العصر، جاء الموعد مع الحصة التدريبية الأخيرة للمنتخب الوطني، هذه المرة، كانت الرسالة واضحة منذ البداية: لا مجال للكثير من التفاصيل.

سمح للصحفيين بمتابعة الدقائق الـ15 الأولى فقط، وبعدها كان علينا مغادرة الملعب.

لم تكن هناك تصريحات إضافية مع اللاعبين، ولا إمكانية للبقاء لفترة أطول.

الإجراءات كانت أكثر صرامة من الحصص السابقة، خصوصا بعد تسريب مقطع فيديو سابق تضمن بعض تفاصيل التحضيرات. بالنسبة لنا، انتهت بذلك مرحلة متابعة التداريب.

غادرنا الملعب، بينما بقي المنتخب داخل الحصة المغلقة.

هناك، بعيدا عن الكاميرات والصحفيين، كان محمد وهبي يضع آخر اللمسات على خطته.

أما نحن، فكان علينا أن نغادر وننتظر الغد.

غدا ليس يوما عاديا...غدا موعد فرنسا.