الحلقة 31: ما بعد الصدمة.. "خاصنا نرجعو الروح فينا"

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

الحلقة 31: ما بعد الصدمة.. "خاصنا نرجعو الروح فينا"
الجمعة 10 يوليوز – اليوم الموالي للإقصاء

كان صباح اليوم الموالي للإقصاء مختلفا تماما.

لم يكن في الفندق ذلك الحماس الذي رافقنا طوال الأسابيع الماضية. لا حديث عن المباراة المقبلة، ولا حسابات، ولا مواعيد استعدادا لمواجهة جديدة. انتهى كل شيء فجأة.

كانت الخسارة ما تزال ثقيلة على الجميع، لكن التعب كان حاضرا أيضا. أسابيع من السفر والتنقل، والعمل لساعات طويلة، ومتابعة التداريب والمباريات والندوات الصحفية، جعلت أجسادنا تصل إلى هذه المرحلة وهي في حاجة إلى التوقف قليلا.

لكن حتى هذا التوقف لم يكن متاحا بسهولة.

عند الساعة 02:32 صباحا، وصلت رسالة في مجموعة التواصل واتساب تخبرنا بأن علينا حزم الأمتعة استعدادا لمغادرة بوسطن في اتجاه نيويورك، في انتظار تحديد موعد رحلة العودة إلى المغرب.

قرأت الرسالة وشعرت أن الأمر جاء سريعا جدا، كنا بالكاد خرجنا من أجواء المباراة، وما زلنا نحاول استيعاب الإقصاء، حتى وجدنا أنفسنا مطالبين بالتفكير في الحقائب والطريق والمطار والطائرة.

لم تكن المشكلة في العودة إلى المغرب. بالعكس، كل واحد منا كان يشتاق إلى بيته وعائلته.

لكن كان هناك شعور جماعي واضح، "خاصنا نرتاحو واخا غير نهار."

بدأت الرسائل تتوالى في المجموعة.

كان المعنى واحدا تقريبا، الانتقال مباشرة من بوسطن إلى نيويورك ثم إلى المطار سيكون مرهقا جدا، والجميع يحتاج إلى يوم واحد فقط لالتقاط الأنفاس.

أحد الزملاء لخص الحالة بكلمات بسيطة لكنها كانت صادقة جدا:"غير نرجعو الروح فينا... مزال حتى ما استوعبنا الخسارة."

كانت تلك الجملة تختصر كل شيء.

نحن متعبون جسديا، ومنهكون ذهنيا، وفوق ذلك نحاول استيعاب نهاية رحلة كنا نتمنى أن تستمر أياما أخرى.

ملاحظة بقيت في ذهني..

وسط هذا النقاش، وجدت نفسي أعود إلى ملاحظة أخرى كنت قد سجلتها طوال فترة وجودنا في المونديال.

الحضور المصري كان لافتا.

كنت ألاحظ صحفيين مصريين في الملاعب ومراكز الإعلام، وبعضهم واصل التغطية حتى الأدوار الأخيرة من البطولة، رغم أن المنتخب المصري لم يكن موجودا بالضرورة في كل تلك المراحل.

الأمر الذي شد انتباهي أكثر هو أن بعض هؤلاء الزملاء كانوا يمثلون مواقع إلكترونية متوسطة الحجم، ومع ذلك ظلوا في الميدان، يتابعون المباريات وينقلون تفاصيل البطولة إلى جمهورهم.

لم يكن الأمر بالنسبة إليهم مرتبطا فقط بمسار منتخبهم.

كان هناك إيمان بأن المونديال نفسه يستحق التغطية حتى النهاية.

وهنا بدأت أقارن، كصحفي، بين ما رأيته وما اعتدنا عليه في المغرب.

في كثير من البطولات، ينتهي جزء مهم من الحضور الإعلامي المغربي بانتهاء مشوار المنتخب الوطني. وما إن تنتهي المشاركة حتى يبدأ التفكير في العودة.

لا أقول إن الأمر لا تحكمه أسباب مهنية أو مالية أو تنظيمية، فكل مؤسسة لها حساباتها وظروفها.

لكن تجربة هذا المونديال جعلتني أفكر في نقطة أراها مهمة: هل يجب أن يرتبط حضورنا الإعلامي دائما بمسار المنتخب؟

فالحدث الرياضي أكبر من منتخب واحد، والمونديال لا يتوقف بخروج أي منتخب.

ربما كان هذا أحد الدروس المهنية التي سأحتفظ بها من هذه الرحلة.

أن يكون الإعلام حاضرا من أجل الحدث نفسه، وأن يرى في البطولة فرصة للتغطية والتعلم وصناعة المحتوى، وليس فقط مناسبة لمرافقة المنتخب.

ليلة إضافية...

بعد ساعات من الانتظار والنقاش، وصلنا أخيرا إلى الخبر الذي كنا نتمناه.

سيكون بإمكاننا إضافة ليلة في نيويورك قبل العودة إلى المغرب.

لم تكن ليلة إضافية بالنسبة لنا مجرد تغيير في برنامج السفر.

كانت فرصة لالتقاط الأنفاس.

فرصة للنوم بشكل طبيعي، وترتيب الحقائب، والاتصال بالعائلة، وربما الجلوس قليلا من دون التفكير في موعد ندوة أو حافلة أو مباراة أو تدريب.

ثم جاء توضيح آخر بأن تذاكر العودة محجوزة للمجموعة بشكل جماعي، وأن تغيير الموعد سيكون للمجموعة كلها، كما كانت الرحلة منذ البداية.

انتهى الأمر.

سنغادر بوسطن معا، ونتوجه إلى نيويورك، ونقضي هناك ليلة قبل العودة إلى المغرب.

لأول مرة منذ نهاية المباراة، شعرنا أن لدينا بعض الوقت.

وقت لنستوعب.

وقت لنرتاح.

ووقت لنقول لأنفسنا إن الرحلة، رغم نهايتها القاسية، كانت مليئة بأشياء ستبقى معنا طويلا.