الحلقة 4: ليلة لم تنم فيها نيويورك
السبت 13 يونيو – ليلة الأحد 14 يونيوغادرنا ملعب نيوجيرسي بعد نهاية المباراة أمام البرازيل ونحن نشعر بالرضا. التعادل كان بطعم الإنجاز، والتغطية التي قدمناها في "لو ماتان سبورت" سارت كما خططنا لها، إذ وصلت الأخبار والصور والفيديوهات إلى المتابعين في المغرب أولاً بأول.
لكن يوم العمل لم يكن قد انتهى بعد.
استقللنا الحافلة في طريق العودة إلى فندق "شيراتون"، وكان يقودها السائق الصيني الذي رافق وفدنا طوال الرحلة. كان رجلاً بشوشاً لا تفارق الابتسامة وجهه، حتى وإن كانت طريقته في القيادة تجعلنا أحياناً نتبادل النظرات ونبتسم من جرأته في شوارع نيويورك المزدحمة.
كنا نظن أن ما ينتظرنا هو سرير وغرفة هادئة بعد يوم طويل، لكن المدينة كانت تخبئ لنا مفاجأة أخرى.
مدينة تحتفل... وكأنها فازت بكأس العالم
ما إن دخلنا مانهاتن حتى بدأنا نلاحظ أن شيئاً غير طبيعي يحدث...حركة السير كانت شبه متوقفة...وأصوات الأبواق لا تنقطع... والألعاب النارية تملأ السماء... بينما امتلأت الشوارع بآلاف الأشخاص الذين يرتدون ألوان فريق نيويورك نيكس.
بعد دقائق، عرفنا السبب
كان فريق نيويورك نيكس قد تُوج بطلاً للدوري الأمريكي للمحترفين لكرة السلة، منهياً انتظاراً دام 53 عاماً. بالنسبة لسكان المدينة، لم يكن الأمر مجرد لقب رياضي، بل حدثاً عاشوه بكل تفاصيله، لذلك خرجوا إلى الشوارع للاحتفال حتى ساعات متأخرة من الليل.
كان من الغريب أن نغادر مباراة تاريخية للمنتخب المغربي، لنجد أنفسنا وسط ليلة تاريخية أخرى تعيشها نيويورك.
عندما تتحول العودة إلى الفندق إلى مهمة صحفية
وسط تلك الحشود، توقفت الحافلة تماماً، حاول السائق أكثر من مرة إيجاد طريق بديل، لكن معظم الشوارع المؤدية إلى "تايمز سكوير" كانت مكتظة أو مغلقة بسبب الاحتفالات.
لم يكن أمامنا سوى خيار واحد: أن نكمل الطريق سيراً على الأقدام.
حمل كل واحد منا حقيبته ومعداته، وانطلقنا وسط الجموع. ورغم التعب الذي رافقنا منذ الصباح، سرعان ما تحول ذلك المشي إلى فرصة مهنية لم نكن نتوقعها.
بدأ كل واحد منا يوثق ما يجري حوله. الجماهير تغني وترقص، والأعلام ترفرف، والألعاب النارية تنعكس على واجهات ناطحات السحاب، فيما كانت المدينة بأكملها تعيش ليلة استثنائية.
لم نكن قد خططنا لتغطية هذه الأجواء، لكنها أصبحت جزءاً من يومياتنا في المونديال، ومنحتنا صوراً ومقاطع فيديو مختلفة تماماً عن كل ما أنجزناه داخل الملاعب.
وبينما كنا نشق طريقنا نحو الفندق، بدأت الشرطة تؤمن محيط بعض الشوارع مع تزايد أعداد المحتفلين، وعرفت بعض النقاط حالة من الفوضى والتدافع، لكن الأجواء ظلت في مجملها احتفالية، قبل أن نصل بسلام إلى مقر إقامتنا.
مدينة لا تعرف النوم
وصلنا أخيراً إلى الفندق بعد وقت أطول بكثير مما كنا نتوقع، لكن الاحتفالات في الخارج لم تتوقف.
من نافذة الغرفة، كانت أصوات الجماهير والأبواق تصل بوضوح، فيما استمرت الألعاب النارية تضيء سماء "تايمز سكوير".
استلقيت على السرير وأنا أسترجع أحداث ذلك اليوم.
في ساعات قليلة فقط، عشنا مباراة تاريخية للمنتخب المغربي أمام البرازيل، وغطينا الحصة التدريبية الأخيرة والندوة الصحفية، وأنجزنا عشرات المواد الإخبارية والفيديوهات المباشرة، ثم وجدنا أنفسنا، من دون سابق تخطيط، وسط واحدة من أكبر الاحتفالات الرياضية التي عرفتها نيويورك منذ أكثر من نصف قرن.
حينها أدركت أن كأس العالم لا يمنحك مباريات فقط، بل يمنحك أيضاً قصصاً لم تكن في الحسبان. قد تسافر لتغطية مباراة، فتعود وفي ذاكرتك حكاية أخرى لم تكن ضمن برنامج الرحلة... وهذا بالضبط ما حدث لنا في تلك الليلة التي لم تنم فيها نيويورك.
الحلقة 5: يوم طويل... عندما اختبرنا صرامة التنظيم