قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
الحلقة 19: أول حصة للأسود في ملعب 1986.. جولة في مونتيري ودراما "الجواز المفقود"

السبت 27 يونيو – أول حركية ميدانية في المكسيك

استيقظنا في فندق "صافي رويال" على إيقاع الاستعداد لأول محطة ميدانية لنا في مونتيري. كنا قد وصلنا إلى المدينة في الليلة السابقة، ولم نغادر الفندق منذ ذلك الحين، لذلك كانت الرغبة كبيرة في اكتشاف أجواء تحضيرات المنتخب الوطني عن قرب، والتعرف في الوقت نفسه على مدينة مونتيري التي بدت لنا واسعة ومختلفة عن كل المحطات السابقة.

قبل الانطلاق، توصلنا برسالتين تنظيميتين عبر مجموعة التواصل الخاصة بالوفد الإعلامي. الأولى، حملت تعديلاً بسيطاً على برنامج الحصة التدريبية: "مساء الخير.. الحصة التدريبية التي سيخوضها المنتخب الوطني يوم غد السبت بـ Estadio Universitario de la UANL ستنطلق على الساعة السادسة مساء بدل الخامسة. الحصة التدريبية ستكون مفتوحة أمام وسائل الإعلام لمدة 15 دقيقة الأولى لالتقاط الصور. وعليه سننطلق بالحافلة صوب ملعب التداريب على الساعة الخامسة إلا عشر دقائق."

أما الرسالة الثانية، فكانت تحمل خبراً أكثر إغراءً بالنسبة إلينا، إذ تضمنت جولة قصيرة في المدينة بعد نهاية الحصة:

"الزملاء الكرام... سنتوجه في حدود الساعة الخامسة بحول الله عبر الحافلة إلى ملعب تداريب المنتخب الوطني، وبعد مغادرة التداريب ستأخذنا الحافلة في جولة قصيرة بالمنطقة التاريخية وسط مدينة مونتيري قبل العودة إلى الفندق، علماً أنه لن تتاح لنا فرصة أخرى لزيارة المنطقة باستثناء اليوم."

حرارة خانقة وذاكرة مونديال 1986

في حدود الساعة الخامسة إلا عشر دقائق، كنا داخل الحافلة في طريقنا إلى Estadio Universitario de la UANL.

منذ وصولنا، كان أول ما لفت انتباهنا هو الطقس. حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة جعلتنا نتصبب عرقاً ونحن واقفون في أماكننا، من دون أن نقوم بأي مجهود يذكر.

لكن صعوبة الطقس لم تمنعنا من التوقف عند قيمة المكان الذي وصلنا إليه. فهذا هو الملعب نفسه الذي احتضن إحدى مباريات الأسود في مونديال المكسيك 1986، عندما واجه المنتخب الوطني ألمانيا الغربية بعد تأهله التاريخي إلى الدور الثاني، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز.

بالنسبة إلى الصحفيين المغاربة الموجودين في المكان، كانت العودة إلى هذا الملعب بعد أربعة عقود تقريباً فرصة لاستحضار تلك الذكريات وربطها بالحاضر. صور ومقارنات وحديث عن التاريخ، قبل أن يتحول الأمر إلى نوع من التفاؤل بأن يكون الملعب فأل خير على الأسود في مواجهتهم المرتقبة أمام هولندا.

مهنياً، لم تكن مهمة التصوير سهلة. فقد أقيمت الحصة التدريبية على مسافة بعيدة نسبياً عن المنصة المخصصة للإعلاميين، فيما زادت أشعة الشمس المباشرة من صعوبة التقاط الصور والفيديوهات، خصوصاً مع انعكاس الضوء (Contre-jour). وكانت أمام المصورين 15 دقيقة فقط لاستغلالها بأفضل شكل ممكن.

«Barrio Antiguo».. جولة سريعة في قلب مونتيري

بعد نهاية الحصة التدريبية، عدنا إلى الحافلة التي أخذتنا هذه المرة إلى Barrio Antiguo، المنطقة التاريخية الواقعة في قلب مونتيري.

نزلنا وتجولنا بين الأزقة والمباني القديمة، وتوقفنا عند عدد من الباعة المحليين للتعرف على منتجاتهم التقليدية. وكانت الأجواء مختلفة تماماً عن ضغط الملعب؛ عروض فلكلورية ورقصات مكسيكية شعبية وتفاعل مباشر مع سكان المنطقة، في جولة قصيرة لكنها منحتنا فرصة لالتقاط شيء من روح المدينة قبل العودة إلى الفندق.

دراما في الحافلة.. أين اختفى الجواز؟

في طريق العودة إلى الفندق، عشت لحظات لم تكن ضمن برنامج اليوم تماماً.

كنت أجري فحصا عادياً لحقيبتي الصغيرة، التي أضع فيها عادة وثائقي الرسمية، عندما انتبهت إلى أن جواز سفري غير موجود.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء.

بدأت أقلب الحقيبة وأبحث في جيوبها واحدا تلو الآخر، ثم أعدت البحث مرة ثانية وثالثة. كان الزميل أمين الرعد يجلس بجانبي ويحاول تهدئتي، لكن فكرة فقدان جواز السفر في بلد أجنبي، وبعد يوم واحد فقط من وصولنا إلى المكسيك، كانت كافية لرفع مستوى التوتر إلى أقصاه.

طوال الطريق، ظل السؤال نفسه يدور في رأسي: أين يمكن أن يكون الجواز؟

وصلنا إلى الفندق، وصعدت إلى الغرفة وأنا لا أزال أفتش في كل شيء. وهناك، جاءت المفاجأة التي حولت لحظات القلق إلى ضحكة.

الجواز لم يكن في الحقيبة أصلاً!

كنت قد وضعته في جيب سروالي منذ لحظة وصولنا إلى مطار مونتيري، عندما سلمتني شرطية الحدود جواز سفري بعد إنهاء إجراءات الدخول ومنحي تأشيرة الـ45 يوماً. ومنذ ذلك الحين، ظل الجواز في مكانه طوال اليوم، بينما كنت أبحث عنه في كل مكان آخر!

تنفست الصعداء، وضحكت على نفسي بعد يوم طويل من السفر والعمل. أحياناً، لا يحتاج الصحفي إلى قصة كبيرة كي يعيش لحظة درامية؛ يكفي أن ينسى أين وضع جواز سفره!

من مفكرة الصحفي

في مونتيري، بدأنا أولى تحركنا الميداني في المكسيك بين حرارة الطقس وذاكرة مونديال 1986. وقفنا في الملعب الذي شهد واحدة من أهم لحظات الكرة المغربية، قبل أن ننتقل إلى أزقة «Barrio Antiguo» ونكتشف جانباً آخر من المدينة.

وبين الحصة التدريبية والجولة، كان هناك أيضاً درس صغير في السفر: قبل أن تبحث عن جوازك في كل مكان، تذكر أولاً أين وضعته!