قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الحلقة 20: سباق مع الزمن في مونتيري.. ندوة وهبي وبونو وتأخير اضطراري للتداريب
الأحد 28 يونيو – يوم ما قبل المواجهةرسائل منتصف الليل ترسم برنامج اليوم
لم يكن يوم الأحد عادياً في مونتيري. كنا نعيش الساعات الأخيرة قبل المواجهة المرتقبة، وكل شيء كان يسير بالدقيقة، خصوصاً أن برنامج الوفد الصحفي كان مزدحماً بين الندوة الصحفية والحصة التدريبية الرسمية.
منذ الساعات الأولى للصباح، بدأت مجموعة التواصل الخاصة بالوفد تتحول إلى غرفة عمليات حقيقية. الرسائل تتوالى تباعاً، والمنسق يوسف بصور يحرص على أن تصل إلينا كل التفاصيل المتعلقة ببرنامج اليوم، من التوقيت إلى أماكن الأنشطة وكيفية التنقل بينها.
وصلتنا في وقت متأخر من الليل رسالة تحدد برنامج الأحد بدقة. الندوة الصحفية ستنطلق في الثالثة و45 دقيقة بملعب BBVA بحضور الناخب الوطني محمد وهبي والحارس ياسين بونو، فيما ستنطلق الحصة التدريبية الرسمية في الخامسة مساء بملعب التداريب. وكالعادة، ستكون أول 15 دقيقة مفتوحة أمام وسائل الإعلام لالتقاط الصور والحصول على تصريحات اللاعبين.
لكن الأهم في الرسالة كان التنبيه إلى ضيق الوقت بين الموعدين. بمجرد انتهاء الندوة، علينا التوجه مباشرة إلى ملعب التداريب، من دون توقف أو تأخير، لأن الملعبين مختلفان، وأي دقيقة ضائعة قد تجعلنا نفوت جزءاً من الحصة.
من الفندق إلى BBVA.. كل دقيقة محسوبة
ولزيادة الوضوح، عاد يوسف بصور برسالة أخرى يحدد فيها المكانين والتوقيتين بشكل دقيق: الثالثة و45 دقيقة في ملعب المباراة BBVA، والخامسة في ملعب التداريب بملعب Estadio Universitario de la UANL.
وقبل مغادرة الفندق، جاء التنبيه الأخير: الانطلاق في الثانية والربع بعد الزوال، والاتجاه مباشرة إلى ملعب BBVA لحضور الندوة، ثم العودة فور انتهائها إلى الحافلة والتوجه نحو ملعب التداريب. حتى تسجيل أي مراسلات من أمام ملعب الندوة لم يكن ممكناً، لأن الوقت بين الموعدين كان ضيقاً جداً.
في الثانية والربع تماما، كنا على متن حافلتنا الخاصة بالوفد الصحفي المغربي في اتجاه ملعب BBVA، المعروف أيضاً بلقب "El Gigante de Acero". كان الملعب يعيش أجواء مختلفة تماماً عن الأيام العادية، فالصحفيون المغاربة والهولنديون والدوليون بدأوا يتوافدون استعداداً للندوة التي تسبق المواجهة.
وهبي وبونو.. رسائل ثقة قبل المواجهة
داخل القاعة الصحفية، كان التركيز كبيراً. صعد الناخب الوطني محمد وهبي إلى المنصة برفقة ياسين بونو، وكانت الأنظار كلها موجهة نحوهما.
وهبي تحدث بهدوء وثقة، مركزاً على احترام المنتخب الهولندي وقوته، لكن من دون أن يظهر أي تردد. كان واضحاً أن الرسالة التي يريد إيصالها هي أن المنتخب المغربي جاء إلى المكسيك بطموح كبير، وأن المجموعة تؤمن بقدرتها على الذهاب بعيداً وكتابة صفحة جديدة في تاريخ "الأسود".
أما ياسين بونو، فكان حضوره يمنح الندوة شيئاً من الهدوء. الحارس الذي راكم سنوات طويلة من التجربة في أكبر المواعيد تحدث بثقة القائد، مؤكداً جاهزية المجموعة ورغبتها في تقديم مباراة تليق بانتظارات الجماهير المغربية.
لكن بالنسبة لنا، لم يكن هناك وقت طويل للتوقف عند تصريحات الندوة. بمجرد انتهائها، كان علينا العودة مباشرة إلى الحافلة.
من الندوة إلى التداريب.. سباق مع الزمن
وفدنا المغربي التزم بالتعليمات، وصعدنا جميعا إلى الحافلة الخاصة بنا، لكن بعض الصحفيين الذين كانوا يعتمدون على حافلات النقل التابعة للفيفا واجهوا مشكلة في الوصول. الحافلات تأخرت، وبدأ واضحا أن الأمر قد يؤثر على موعد انطلاق الحصة التدريبية.
في تلك اللحظة، تدخل المنسق الميداني للفيفا وتواصل مع المسؤول الإعلامي للمنتخب المغربي، طالبا تأخير انطلاق الحصة لبضع دقائق حتى يتمكن باقي الصحفيين من الوصول. وهو ما تم بالفعل.
كان موقفا يعكس طبيعة العمل الميداني في مثل هذه البطولات. أنت قد تكون جاهزا وفي الموعد، لكن حركة عشرات الصحفيين والحافلات بين الملاعب قد تفرض تغييرا في البرنامج في آخر لحظة.
ملاحظاتنا تصل.. ومكان المصورين يتغير
ومن بين التفاصيل التي أسعدتنا في ذلك اليوم، كان التجاوب الكبير من الطاقم الإعلامي للمنتخب الوطني مع الملاحظات التي سبق أن قدمناها بعد الحصة التدريبية الأولى.
كنا قد أشرنا إلى أن مكان وقوف الصحفيين والمصورين كان بعيدا نسبيا عن اللاعبين، إضافة إلى مشكلة انعكاس أشعة الشمس المباشرة، أو ما يعرف في لغة التصوير بـ"Counter-jour"، وهو ما كان يؤثر على عمل المصورين وجودة الصور والفيديوهات.
هذه المرة، تم أخذ الملاحظات بعين الاعتبار. تغير مكان تموقع الصحفيين والمصورين بالكامل، وأصبحنا أقرب إلى اللاعبين وفي زاوية أفضل من ناحية الإضاءة. بالنسبة لنا، كان الفرق واضحا، وأصبح بإمكاننا استغلال الدقائق الـ15 المفتوحة بشكل أفضل والتقاط صور وفيديوهات بجودة أعلى.
عندما تتدخل العاطفة في العمل الصحفي
لكن هذا اليوم حمل أيضاً تفصيلاً آخر، ربما يبدو بسيطا، لكنه يعكس طبيعة العلاقة بين الصحفي والمنتخب في مثل هذه المواعيد.
خلال إحدى الحصص التدريبية السابقة، كان أحد الزملاء الصحفيين المغاربة قد حاول، بدافع الحماس، تشجيع اللاعبين ببعض العبارات من قبيل: "يلا الدراري.. ديمارجاء!"
كانت لحظة عفوية، وقد يكون من الصعب على أي مغربي أن يرى المنتخب الوطني أمامه ويبقى بعيداً عن الحماس، لكن الأمر لم يمر دون ملاحظة.
وصلت المسألة إلى رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي وجه تنبيهاً للصحفيين عبر المنسق الإعلامي للوفد، مطالباً بعدم تكرار مثل هذه التصرفات خلال الحصص التدريبية، سواء المفتوحة أو المغلقة.
الرسالة كانت واضحة: نحن هنا كصحفيين لتأدية مهمتنا، ومهما كانت مشاعرنا تجاه المنتخب، علينا أن نحافظ على الحدود المهنية المطلوبة داخل التداريب.
تفاصيل صغيرة قبل الموعد الكبير
وبصراحة، كان ذلك واحداً من تلك التفاصيل التي تذكرك بأن تغطية المنتخب في بطولة بحجم كأس العالم ليست مجرد سفر ومباريات وتصريحات. هناك أيضاً قواعد، وتنظيم، ومواعيد، ومسافات، وحافلات، ومواقع للكاميرات، وحتى طريقة الوقوف أثناء الحصة التدريبية.
في ذلك الأحد، عشنا كل ذلك في ساعات قليلة. بدأنا اليوم برسائل تحدد لنا كل دقيقة، ثم انتقلنا من الفندق إلى ملعب BBVA، ومن الندوة إلى حافلة التداريب، قبل أن نجد أنفسنا ننتظر وصول باقي الصحفيين وتأخير انطلاق الحصة لبضع دقائق.
وفي النهاية، وبين تغيير مكان المصورين، والاستجابة للملاحظات، والتنبيه إلى ضرورة الحفاظ على الانضباط المهني، كنا نقترب أكثر فأكثر من الموعد الذي جاء من أجله الجميع إلى مونتيري.
غداً ستكون المباراة.
وغداً، لن تكون هناك رسائل لتخبرنا إلى أين نذهب أو متى نتحرك.
كل شيء سيكون داخل الملعب..إما التوجه الى هيوستن لخوض مباراة الثمن، أو حزم الحقائب والعودة إلى المغرب..