في الحقيقة، الرحلة لم تبدأ عندما أقلعت الطائرة، بل بدأت قبل ذلك بساعات، من بيوتنا ونحن نحاول عبثاً أن ننام. كان الحماس أكبر من أن يسمح لنا بإغماض أعيننا، والأفكار تتزاحم في الرأس: ماذا
ينتظرنا؟ كيف ستكون التغطية؟ وهل سننجح في مواكبة حدث بحجم كأس العالم؟عند الثانية بعد منتصف الليل كانت الحقائب جاهزة بجانب الباب. وبعد دقائق، وصل سائق المؤسسة ليقلني رفقة زميلي في "لو ماتان"، أمين الرعد وسفيان الرافيعي. الشوارع كانت شبه فارغة، لكن داخل السيارة كان الحديث لا يتوقف. كنا نعرف أننا مقبلون على رحلة ستبقى في الذاكرة.
وصلنا إلى مطار محمد الخامس حوالي الثالثة صباحاً، مع موعد فتح التسجيل. هناك اكتشفنا أننا لسنا الوحيدين الذين تغلب عليهم الحماس. عشرات الصحفيين والمصورين بدأوا يتوافدون تباعاً، وكل واحد يحمل حقيبته وأحلامه وطريقته الخاصة في الاستعداد لمونديال استثنائي.
أول اختبار... عند شباك التسجيل
كنا نعتقد أن أصعب ما في الرحلة سيكون السفر الطويل، لكن المفاجأة جاءت قبل الصعود إلى الطائرة.
عند شباك التسجيل، رفض النظام تفعيل تأشيرتي، ومعها تأشيرات ثلاثة زملاء آخرين. فجأة وجدنا أنفسنا خارج الطابور، نراقب المسافرين وهم ينهون إجراءاتهم بينما نحن ننتظر أي خبر يبدد القلق.
مرت قرابة ساعة بين الاتصالات ومحاولات التحقق، قبل أن تُحل المشكلة أخيراً. لاحقاً قيل لنا إن الأمر يتعلق بإجراءات تدقيق عشوائية تعتمدها السلطات الأمريكية.
لكن أكثر ما أضحكنا بعد انتهاء التوتر، أن الصحفيين الأربعة الذين تعطلت إجراءاتهم كانوا جميعاً يحملون أسماء مركبة تبدأ بـ"عبد". تحولت لحظات القلق إلى مزاح، وقلنا إن أول اختبار في أمريكا كان موجهاً ضد أصحاب الأسماء المركبة!
سبع ساعات فوق الأطلسي
بعدها جلس كل واحد في مقعده، وأقلعت الطائرة أخيراً.
سبع ساعات في الجو مرت بين النوم المتقطع، ومراجعة برنامج العمل، وأحاديث لا تنتهي عن المنتخب المغربي، وعن قدرة أشبال محمد وهبي على مقارعة البرازيل في المباراة الافتتاحية.
كلما اقتربنا من نيويورك، كان الإحساس بأننا على أبواب حدث استثنائي يكبر أكثر. لم تكن مجرد رحلة صحفية، بل تجربة سنعيش تفاصيلها يوماً بيوم.
أول مهمة... الحصول على "البادج"
بمجرد وصولنا إلى نيويورك، لم يكن هناك وقت للسياحة أو التقاط الصور.
وجهتنا الأولى كانت مركز اعتماد الإعلاميين التابع لـFIFA. بالنسبة لأي صحفي رياضي، البادج أهم من مفتاح الفندق؛ فهو الذي يفتح لك أبواب الملاعب، وقاعات الندوات، والمنطقة المختلطة، ويمنحك حق الاقتراب من الحدث.
بعد انتظار وسط مئات الإعلاميين القادمين من مختلف أنحاء العالم، حصل كل واحد منا على بطاقته، وشعرنا أن المهمة بدأت فعلاً.
تايمز سكوير... حيث لا ينام الضوء
عندما وصلنا إلى فندق شيراتون في تايمز سكوير، كان التعب قد بلغ ذروته.
لكن كل ذلك اختفى بمجرد أن خرجنا إلى الشارع.
الأضواء في كل مكان، الشاشات العملاقة تملأ السماء، والمارة يتحركون كأن المدينة لا تعرف معنى التوقف. وقفت للحظات أتأمل المشهد، ثم قلت في نفسي: ها قد بدأت الحكاية فعلاً.
في تلك اللحظة فقط، شعرت أنني في قلب كأس العالم، وأن الأيام المقبلة ستحمل الكثير من القصص التي تستحق أن تُروى.