قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الخميس 18 يونيو – كواليس ما قبل المباراة
كلما اقترب موعد مباراة المغرب وإسكتلندا، بدأت بوسطن تتغير شيئاً فشيئاً. المدينة الهادئة التي استقبلتنا قبل أيام أصبحت أكثر حيوية، وأصبحت شوارعها تعكس ما يجعل كأس العالم حدثاً استثنائياً؛ لقاء شعوب وثقافات قبل أن يكون مجرد مباريات لكرة القدم.عندما استولى الإسكتلنديون على شوارع بوسطن
أول ما لفت انتباهنا كان الحضور الكبير للجماهير الإسكتلندية.
في كل زاوية تقريباً، كنا نشاهد المشجعين بلباسهم التقليدي "الكيلت" (Kilt)، يتجولون في الشوارع، ويعزفون على القِرَب الموسيقية، ويغنون بأصوات مرتفعة، وكأن المدينة تحولت إلى قطعة من إدنبرة.
ولم يقتصر الأمر على المظهر فقط، بل تحدثت وسائل إعلام محلية عن الإقبال الكبير الذي شهدته الحانات والمطاعم بسبب الأعداد الكبيرة للجماهير الإسكتلندية، حتى إن بعض المحلات نفدت منها بعض المشروبات مع اقتراب موعد المباراة.
وبالتزامن مع ذلك، كانت بوسطن تستقبل أيضاً جماهير عراقية جاءت لمساندة منتخب "أسود الرافدين" في مباراته أمام النرويج، فكان مشهداً جميلاً أن ترى الأعلام العراقية والإسكتلندية والمغربية تتقاطع في المدينة نفسها، في صورة تختزل روح كأس العالم.
ثم جاء الدور على المغاربة
لكن قبل يوم واحد من المباراة، بدأ المشهد يتغير.
وصلت أعداد كبيرة من الجماهير المغربية، قادمة من ولايات أمريكية مختلفة، ومن كندا، كما التحق عدد من المشجعين القادمين مباشرة من المغرب.
شيئاً فشيئاً، بدأت الأعلام الحمراء تغطي الساحات، وتعالت الزغاريد، ودقات "الدقة المراكشية"، وهتافات "ديما مغرب" التي اعتدنا سماعها في كل مكان يوجد فيه المنتخب الوطني.
كنا نتنقل بين المشجعين لتوثيق هذه الأجواء، ولم يكن من الصعب ملاحظة شيء واحد؛ أينما حضر المغاربة، صنعوا الفرجة قبل انطلاق المباراة.
رحلة البحث عن وجبة تشبه الوطن
بعيداً عن أجواء الجماهير، كانت لنا نحن أيضاً معركة يومية، لكنها من نوع آخر: البحث عن طعام حلال.
بعد أيام من الاعتماد على الفطور نفسه في الفندق، بدأنا نبحث عن أماكن تعيد إلينا شيئاً من نكهة الأكل الذي اعتدناه.
وكان مطعم The Halal Guys واحداً من محطاتنا المفضلة، حيث وجدنا وجبات بسيطة، لكنها مريحة، خاصة بعد ساعات طويلة من العمل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت عندما اقترح علينا بعض الإخوة المغاربة زيارة منطقة ريفير (Revere)، حيث يوجد مقهى ومخبزة مغربية تحمل اسم Casablanca House of Pastry.
ساعة... خارج المونديال
بمجرد أن دخلنا، شعرنا وكأننا عدنا إلى المغرب.
رائحة الشاي بالنعناع سبقتنا إلى الداخل، والحلويات المغربية تملأ الواجهة، ولهجات الزبائن لا تختلف كثيراً عما تسمعه في الدار البيضاء أو الرباط.
جلسنا حول الطاولة، وطلبنا شاياً مغربياً، ومع أول رشفة، شعرنا أننا ابتعدنا قليلاً عن ضغط المونديال.
تحدثنا عن كل شيء... عن المباراة، وعن العمل، وعن الأهل، وعن المغرب الذي بدأ يشتاق إلينا كما اشتقنا إليه.
كانت ساعة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتعيد إلينا شيئاً من طاقة فقدناها وسط ضغط التنقلات والتغطية اليومية.