هند زمامة تتحدى صقيع ألاسكا وترفع راية المغرب فوق قمة دينالي في إنجاز تاريخي

في إنجاز رياضي وإنساني استثنائي، نجحت المتسلقة المغربية هند زمامة في رفع العلم الوطني فوق قمة دينالي بألاسكا، أعلى قمة في أمريكا الشمالية، لتصبح أول امرأة مغربية وإفريقية تبلغ هذه القمة الأسطورية. رحلة شاقة وسط الثلوج والعواصف ودرجات الحرارة القاتلة، أكدت من خلالها أن الإرادة لا تعترف بالعمر ولا بالمستحيل.

حين يعتقد كثيرون أن الأحلام الكبيرة لها عمر محدد، تأتي هند زمامة، البالغة من العمر 52 سنة، لتثبت العكس. فالأم والجدة وسيدة الأعمال والمتسلقة العالمية تواصل كتابة واحدة من أكثر القصص الرياضية المغربية إلهامًا، بعدما نجحت في بلوغ قمة جبل دينالي بولاية ألاسكا الأمريكية، أعلى قمة في أمريكا الشمالية بارتفاع 6190 مترًا، مسجلة بذلك إنجازًا تاريخيًا جديدًا يضعها في مصاف كبار متسلقي العالم، باعتبارها أول امرأة مغربية وإفريقية تحقق هذا التحدي الاستثنائي.

ولم يكن الوصول إلى قمة دينالي مجرد رحلة نحو الأعلى، بل كان اختبارًا حقيقيًا للإرادة الإنسانية. فهذا الجبل، المصنف ضمن القمم السبع الأعلى في العالم، يعد من بين أخطر وأصعب القمم الجبلية على الإطلاق، نظرًا لظروفه المناخية القاسية وبرودته الشديدة وكثافة الثلوج التي تغطي مسالكه الوعرة. كما أن عددًا قليلًا فقط من المتسلقين ينجحون في بلوغ قمته من المحاولة الأولى، وهو ما تمكنت زمامة من تحقيقه.

لكن هند زمامة اختارت مواجهة المستحيل بالإصرار. فبعد أسابيع فقط من إنجازها التاريخي في قمة إيفرست، واصلت المرأة الحديدية استعداداتها البدنية والذهنية الشاقة، واضعة نصب عينيها هدفًا جديدًا يتمثل في رفع العلم المغربي فوق واحدة من أصعب قمم العالم. وعلى امتداد أيام من المعاناة وسط الثلوج والبرد القارس والرياح العاتية، قاومت المتسلقة المغربية كل الصعوبات، مستندة إلى عزيمة صلبة وشغف لا يعرف التراجع.

وفي تصريح يفيض بالفخر والاعتزاز، سلطت هند زمامة الضوء على حجم التحديات التي واجهتها خلال مغامرة تسلق قمة دينالي، مؤكدة أن هذه القمة تعد، في نظر العديد من المتخصصين، من بين أصعب وأخطر القمم الجبلية في العالم، رغم أن قمة إيفرست تبقى الأعلى من حيث الارتفاع.

وأوضحت أن قرب دينالي من الدائرة القطبية الشمالية يجعل المتسلقين يواجهون ظروفًا مناخية قاسية للغاية، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ناقص 50 درجة مئوية، فيما تصل سرعة الرياح أحيانًا إلى 150 كيلومترًا في الساعة، ما يفرض على المتسلقين البقاء داخل الخيام لأيام طويلة في انتظار تحسن الأحوال الجوية.

وأضافت أن من بين أبرز الصعوبات التي تميز دينالي الفارق العمودي الكبير بين نقطة الانطلاق والقمة، إذ يبدأ التسلق من ارتفاع يقارب 2200 متر وصولًا إلى 6190 مترًا، وهو ما يتطلب مجهودًا بدنيًا هائلًا واستنزافًا متواصلًا للطاقة. كما أن هذه المغامرة تعتمد بشكل كامل على القدرات الذاتية للمتسلق، حيث لا وجود لمساعدين أو فرق دعم ترافقه في الطريق، ما يفرض عليه حمل كامل معداته ومؤونته فوق ظهره أثناء عبور مسالك ثلجية خطيرة وشقوق جليدية عميقة.

وأشارت المتسلقة المغربية إلى أن خطورة الجبل تتجلى أيضًا في الحوادث التي يشهدها، إذ ابتلعت الشقوق الثلجية، خلال فترة إقامتها التي امتدت إلى 15 يومًا، خمسة ضحايا، فيما اضطر 15 متسلقًا محترفًا إلى الانسحاب بسبب صعوبة الظروف.

ورغم كل هذه التحديات، أكدت هند زمامة أن لحظة الوصول إلى القمة ورفع الراية المغربية فوق أعلى نقطة في ألاسكا بين ثنايا السحاب كانت كفيلة بمحو كل التعب والمعاناة، قائلة: "رفع الراية المغربية على أعلى قمة في ألاسكا يُنسي كل التعب وكل المجهودات والتضحيات".

وأكدت زمامة أن التهنئة الملكية السامية التي حظيت بها من صاحب الجلالة الملك محمد السادس عقب نجاحها في تسلق قمة إيفرست شكلت لحظة فارقة في مسيرتها الرياضية، ومنحتها دفعة معنوية استثنائية لمواصلة التحدي وتحقيق المزيد من الإنجازات، بما يجعلها في مستوى الثقة التي يوليها جلالة الملك للمرأة المغربية وقدرتها على التألق في مختلف المجالات.

وتحرص هند زمامة في مختلف مغامراتها وتسلقاتها العالمية على تمثيل المغرب بأفضل صورة، متسلحة بالشعار الخالد "الله، الوطن، الملك"، وحاملة معها راية المملكة المغربية وصور صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتبارها رموزًا تعكس اعتزازها العميق بوطنها وانتماءها الراسخ له.

كما لا تفوت أي مناسبة للتعبير عن دعمها للمنتخب الوطني المغربي في مختلف المحافل الرياضية، وتحرص أيضًا على أن تحمل تجهيزاتها وأفراد طاقمها الألوان الوطنية وشعار المغرب، تأكيدًا على أن كل إنجاز تحققه فوق القمم العالمية هو إنجاز باسم المغرب والمغاربة قبل أن يكون نجاحًا شخصيًا.

وكان العالم قد تابع بإعجاب، خلال شهر ماي 2025، نجاح هند زمامة في بلوغ قمة جبل إيفرست، أعلى نقطة على سطح الأرض بارتفاع 8848 مترًا، بعد رحلة شاقة انطلقت من النيبال يوم 6 أبريل من السنة نفسها. وخلال مرحلة الإعداد، خاضت تدريبًا قاسيًا شمل تسلق جبل "آيلاند بيك" البالغ ارتفاعه 6189 مترًا، والذي يوصف بـ"جبل الموت" بسبب صعوبة تضاريسه وقساوة ظروفه الطبيعية.

واستغرقت مغامرة إيفرست قرابة شهرين من الإعداد والتأقلم مع الارتفاعات الشاهقة والظروف المناخية الصعبة، قبل أن تنجح في رفع العلم المغربي فوق سقف العالم، في صورة تحولت إلى مصدر فخر للمغاربة وللمرأة العربية والإفريقية عمومًا.

غير أن قصة هند زمامة لم تبدأ مع إيفرست أو دينالي. فمنذ سنة 2023، شرعت في بناء مسار استثنائي في عالم تسلق الجبال، متنقلة بين أعلى قمم العالم. فمن قمة توبقال، أعلى نقطة في شمال إفريقيا، إلى كليمنجارو في تنزانيا، ثم أكونكاغوا بالأرجنتين بارتفاع 6962 مترًا، وقمة إلبروز بروسيا، وصولًا إلى إيفرست ودينالي، كانت كل قمة محطة جديدة في رحلة البحث عن التميز وكسر الحدود التقليدية للعمر والإمكانات.

ورغم مسؤولياتها كسيدة أعمال وأم وجدة، لم تسمح هند زمامة للالتزامات اليومية بأن تقف حاجزًا أمام أحلامها، بل حولت تلك المسؤوليات إلى مصدر إضافي للقوة والإلهام، مؤكدة أن النجاح لا يرتبط بسن معينة ولا يتوقف عند ظروف محددة، بل يصنعه الإيمان بالهدف والعمل المتواصل من أجل بلوغه.

وتستمد المتسلقة المغربية قوتها وصلابتها من إيمانها العميق وعزيمتها الراسخة وانضباطها الكبير، لتؤكد أن الإرادة الصادقة قادرة على كسر كل الحواجز، وأن الأحلام لا يحدها سن ولا تعيقها المسؤوليات.

وتحكي المتسلقة المغربية بفخر عن الدعم الذي حظيت به من أسرتها في مختلف مراحل هذه المغامرات. فقد تزامنت مغامرة دينالي مع مناسبة عيد الأضحى المبارك، غير أن تفهم والديها وزوجها وأبنائها وإخوتها وأحفادها، وإيمانهم بقدرتها على النجاح، منحها الشجاعة للسفر إلى ألاسكا ومواصلة مطاردة حلم أصبح اليوم مصدر اعتزاز لكل أفراد عائلتها.

وأصرت هند زمامة على أن يكون هذا الإنجاز التاريخي الجديد هدية لحفيدتها المرتقبة، التي ستنضم قريبًا إلى العائلة.