قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

قصة المونديال لا كما شاهدتموها بل كما عشتها
الحلقة 18: من أمريكا إلى المكسيك.. رحلة متأخرة وأجواء أمنية مختلفة

الجمعة 26 يونيو – من أورلاندو إلى المكسيك

كان صباحنا الأخير في أورلاندو هادئا نسبيا. الفندق الذي قضينا فيه ليلتنا كان مريحاً، لكننا لم نكن نملك الكثير من الوقت للاستمتاع به. أمامنا محطة جديدة، وبلد جديد، ومباراة جديدة تقترب.

وكعادتنا في كل تنقل، وصلتنا رسالة تنظيمية من منسق الوفد الإعلامي تحدد برنامج اليوم بدقة:

"الأخوات والإخوة الكرام، حمدا لله على سلامتكم جميعا. غدا بحول الله ستكون وجبة الإفطار متاحة في الفندق ما بين السابعة والتاسعة والنصف صباحا، على أن نبدأ في إنزال الأمتعة والالتحاق بالحافلة في حدود الساعة الحادية عشرة صباحا، ثم الانطلاق نحو المطار على الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا. رحلة موفقة للجميع."

لم يكن هناك مجال للتأخير. تناولنا الإفطار، جمعنا الأمتعة، ثم نزلنا في الموعد المحدد للالتحاق بالحافلة التي ستقلنا إلى مطار أورلاندو.

كنا نعتقد أن الجزء الأصعب من الرحلة قد انتهى، وأننا سنصل إلى مونتيري في وقت مناسب لنأخذ قسطا من الراحة قبل بداية العمل. لكن المطار كان له رأي آخر.

في مطار أورلاندو.. الرحلة التي تأخرت حتى 5:50

بمجرد وصولنا إلى المطار، بدأت أخبار تأخير الرحلة التابعة لشركة الطيران المكسيكية تتوالى. موعد يتغير، ثم موعد آخر، ثم انتظار جديد.

مرت الدقائق ببطء، وتحول الانتظار إلى ساعات. كل مرة كنا نأمل أن يكون الإعلان المقبل هو إعلان الصعود إلى الطائرة، لكن ذلك لم يحدث إلا في حدود الساعة 5:50 مساءً.

كان يوماً طويلاً بالفعل، خصوصاً أن التنقلات في كأس العالم لا تتوقف عند الوصول إلى الملعب أو الفندق. أحياناً تكون رحلة المطار نفسها جزءا من التغطية، بكل ما تحمله من انتظار وتعب وتغييرات في البرنامج.

وقبل الإقلاع بقليل، وصلتنا رسالة أخرى من المنسق، هذه المرة بخصوص بطاقات الهاتف والاتصالات في المكسيك:"تذكير.. منين تنزلوا في مطار مونتيري في المكسيك، لي عندهم بطاقات الهاتف أمريكا، جربوا خدموها حتى في المكسيك حيت كاين اللي خدامين واخا خارج أمريكا باش بلا ماتشريو SIM أخرى. بخصوص الشركات معرفتش بالضبط شكون فيهم اللي خدام فالمكسيك وشكون اللي لا، عليها منين نزلو بحول الله كل واحد يشعل الهاتف ديالو ويشوف واش يخدم ليه تما."

تفصيل صغير، لكنه مهم جداً بالنسبة للصحفي. لأن الهاتف في مثل هذه الرحلات ليس مجرد وسيلة للتواصل؛ هو جزء من أدوات العمل، ومن دونه تصبح عملية التنسيق ونقل الأخبار والصور والفيديوهات أكثر تعقيداً.

مونتيري.. محطة جديدة

بعد رحلة جوية طويلة، حطت بنا الطائرة أخيراً في مونتيري، في وقت متأخر من المساء.

كان أول ما فعلناه بعد الوصول هو التأكد من الاتصالات. أشعل عدد من الزملاء هواتفهم، وكانت المفاجأة أن بعض البطاقات الأمريكية اشتغلت بشكل عادي في المكسيك، وهو ما جنب أصحابها عناء البحث عن شرائح جديدة في تلك الساعة المتأخرة.

بعدها توجهنا مباشرة إلى الفندق، Safi Royal Luxury Hotel، حيث كان التعب قد بلغ مداه.

الفندق وفر لنا ظروف إقامة جيدة، وهو أمر كان مهماً جداً بعد يوم طويل من السفر والانتظار. كما أن وجبات الطعام نالت إعجاب عدد من الزملاء، خصوصاً من ناحية التنوع والجودة.

أما أنا، فكانت لدي قصة أخرى مع المطبخ المكسيكي. حاولت أن أجد ما يناسب ذوقي، لكن بعض النكهات والمكونات المحلية لم تكن قريبة كثيراً مما اعتدت عليه، فبقيت متحفظاً أمام عدد من الأطباق.

لم نكن بحاجة إلى أكثر من ذلك في تلك الليلة: عشاء، قليل من الراحة، ثم النوم.

صباح مونتيري.. أول ما لفت انتباهنا

وصولنا المتأخر جعل استكشاف المدينة مؤجلاً إلى صباح اليوم التالي.

وبمجرد خروجنا إلى الشارع، كان أول مشهد لفت انتباهنا هو الانتشار الأمني الواضح.

سيارات الشرطة كانت حاضرة في عدد من المناطق، وعناصر الأمن يظهرون بشكل مسلح، أحياناً بالقرب من سيارات الـPick-up الخاصة بهم. المشهد كان مختلفاً تماماً عما اعتدناه خلال محطاتنا السابقة في الولايات المتحدة.

لم نكن أمام مجرد سيارة شرطة تمر من بعيد؛ كان الحضور الأمني جزءاً واضحاً من المشهد اليومي في الشارع.

بالنسبة لنا كصحفيين قادمين من الولايات المتحدة، كان هذا الاختلاف لافتاً منذ اللحظة الأولى. في أمريكا، اعتدنا على تنظيم أمني أكثر اندماجاً في محيط الملاعب والمناطق التي نتحرك فيها. أما هنا، فكان حضور رجال الأمن وأسلحتهم أكثر وضوحا في الشارع.

مونتيري تفرض علينا حسابات جديدة

لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى بدأنا نتعامل مع المدينة بطريقة مختلفة.

لم نكن نعرف كل المناطق، ولذلك أصبح اختيار وسيلة التنقل أمرا مهما. كنا نفضل استخدام تطبيقات مثل Uber وDiDi بدل إيقاف سيارات أجرة عشوائية من الشارع، خصوصاً أن التطبيقات تمنحك معلومات عن السائق وتتيح تتبع الرحلة.

كما أصبحنا أكثر حرصا على معداتنا. الهاتف والكاميرا بالنسبة للصحفي ليسا مجرد أغراض شخصية، بل أدوات عمل أساسية، ولذلك كنا نتجنب إظهارهما بشكل مبالغ فيه في الأماكن المزدحمة، ونحاول تفادي التنقل في مناطق غير مألوفة خلال ساعات الليل.

كانت مونتيري مختلفة عن كل ما عشناه حتى ذلك الحين.

مدينة جديدة، شارع مختلف، إيقاع مختلف، وحسابات أمنية لم نكن مضطرين إلى التفكير فيها بنفس الطريقة خلال محطاتنا السابقة.

والأهم أن أمامنا مباراة هولندا، ومعها أيام جديدة من العمل والتغطية.

كنا ندرك منذ صباحنا الأول أن هذه المحطة لن تكون مجرد انتقال جغرافي من الولايات المتحدة إلى المكسيك، بل انتقالا إلى أجواء مختلفة تماما.