الحلقة 26: ملحمة كندا.. ثلاثية تاريخية، سباق مع الزمن و«إكرامية» على الطريقة الأمريكية!

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

الحلقة 26: ملحمة كندا.. ثلاثية تاريخية، سباق مع الزمن و«إكرامية» على الطريقة الأمريكية!


السبت 4 يوليوز – يوم الموقعة الحاسمة في هيوستن

لم ننتظر حتى صباح السبت للدخول في أجواء المباراة. منذ ليلة الجمعة، بدأت مجموعة الوفد الصحفي تعيش على إيقاع نقاش تنظيمي حول موعد التوجه إلى الملعب.

المباراة مبرمجة عند الثانية عشرة ظهراً، والمسافة بين الفندق والملعب تقارب 18 كيلومتراً. في الظروف العادية قد تستغرق الرحلة حوالي 20 دقيقة، لكن الزحام كان قادراً على تحويلها إلى ساعة كاملة.

توالت الاقتراحات بين الزملاء: التاسعة والنصف صباحاً، التاسعة، بل وحتى قبل ذلك، فقط لضمان الوصول في الوقت المناسب وتجهيز المعدات وتفادي أي مفاجأة في الطريق.

في النهاية، حُسم الأمر: الإفطار في الثامنة صباحاً، ومن الثامنة و45 دقيقة يبدأ التوجه إلى الحافلة، على أن يكون الانطلاق في التاسعة بالضبط. وكانت التعليمات واضحة: لا انتظار لأي متأخر، ومن ينزل إلى الإفطار عليه أن يكون جاهزاً، حاملاً معه معداته وبطاقة الاعتماد وكل ما يحتاجه للتغطية.

لم يكن أحد يريد المخاطرة بتضييع مباراة بهذا الحجم.

هيوستن تكتسي بالأحمر.. والمباراة تبدأ

وصلنا إلى الملعب وسط مشهد جماهيري لافت. الأحمر والأبيض كانا حاضرين بقوة، والجماهير المغربية ملأت محيط الملعب بأعلامها وأهازيجها، وكأن المباراة بدأت قبل صافرة الحكم.

عند الثانية عشرة ظهراً، انطلقت الموقعة.

الشوط الأول لم يكن سهلاً على الإطلاق. المنتخب الكندي دخل المباراة بتنظيم دفاعي محكم، وأغلق المساحات أمام الأسود، ما جعل الوصول إلى مرماه مهمة معقدة.

مرت الدقائق ثقيلة، وانتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي. في المدرجات، كان التوتر واضحاً، وحتى في منصة الصحافة لم يكن الوضع مختلفاً. الجميع كان ينتظر تلك اللحظة التي قد تغير مجرى المباراة.

ثم جاء الشوط الثاني، أوناحي يفتح الباب.. والأسود يضربون ثلاث مرات

في الدقيقة 50، انفجرت المدرجات. عز الدين أوناحي نجح في افتتاح التسجيل، لتتغير أجواء الملعب بالكامل.

الهدف لم يكن مجرد تقدم في النتيجة، بل كان بمثابة تحرير للأعصاب بعد شوط أول مليء بالحذر والانتظار.

وبينما كانت كندا تحاول العودة، عاد أوناحي ليضرب من جديد في الدقيقة 82، مضيفاً الهدف الثاني.

لم نعد نعرف هل نتابع المباراة كصحفيين أم نعيشها كمشجعين. كل شيء كان يجري بسرعة، والفرحة تتصاعد مع كل دقيقة.

وفي الوقت بدل الضائع، وتحديداً في الدقيقة 90+8، جاء الدور على سفيان رحيمي ليضع اللمسة الأخيرة ويسجل الهدف الثالث.

ثلاثية كاملة.

3-0 للمغرب، وتأهل تاريخي، واحتفالات لم يعد معها أحد قادراً على الجلوس في مكانه.

في تلك اللحظة، لم تعد هيوستن بالنسبة لنا مجرد محطة جديدة في رحلة المونديال، بل أصبحت شاهدة على واحدة من أجمل ليالينا في البطولة.

بعد صافرة النهاية.. لا وقت للاحتفال، لكن الصحفي لا يملك دائماً رفاهية الاحتفال طويلاً.

بمجرد نهاية المباراة، بدأنا مباشرة في تقسيم المهام. توجه الزميل أمين رعد إلى الندوة الصحفية للناخب الوطني، بينما توجهتُ رفقة سفيان ومجموعة من الزملاء إلى المنطقة المختلطة.

هناك، بدأت مرحلة أخرى من العمل.

انتظرنا اللاعبين، سجلنا التصريحات، تابعنا ردود أفعالهم بعد التأهل، ثم بدأنا في إرسال المواد تباعاً إلى غرف التحرير.

وبعد المنطقة المختلطة، لم ينته العمل. كان علينا إعداد بلاطو صحفي مباشر لتقديم قراءة في المباراة والحديث عن التأهل.

الملعب بدأ يفرغ تدريجياً، والجماهير تغادر، بينما كنا لا نزال نعمل.

وعندما انتهينا أخيراً، اكتشفنا المفاجأة: الحافلة غادرت بالفعل.

كانت ملتزمة ببرنامجها الزمني، ونحن كنا قد تأخرنا بسبب التغطية.

عندما تصبح العودة إلى الفندق مغامرة

وجدنا أنفسنا خارج الملعب، أنا وسفيان وأسامة وصحفية كانت برفقتنا، أمام مهمة جديدة: كيف نعود إلى الفندق؟

في تلك اللحظة، ظهر سائق سيارة واقترح علينا نقلاً مباشراً، من دون المرور عبر تطبيقات الحجز.

تفاوضنا معه، وبعد الأخذ والرد اتفقنا على مبلغ 70 دولاراً للرحلة نحو فندق "Crowne Plaza Galleria".

ركبنا السيارة، وبعد يوم طويل من العمل، كنا نعتقد أن آخر تفاصيل اليوم ستكون مجرد الوصول إلى الفندق والاستسلام للتعب.

لكننا كنا مخطئين.

70 دولاراً في الاتفاق.. و10 دولارات «Tips»!

عند الوصول إلى الفندق، سلمناه 80 دولاراً نقداً، على أساس أن يعيد لنا 10 دولارات، باعتبار أن الاتفاق بيننا كان محدداً في 70 دولاراً للرحلة.

لكن السائق كان له رأي آخر.

ابتسم، واعتبر أن الـ10 دولارات المتبقية هي Tips، أي إكرامية له، ورفض إعادتها رغم تذكيره بالاتفاق المسبق.

تبادلنا النظرات في ما بيننا، بين الاستغراب والضحك. لم نكن نتوقع أن تكون هذه هي آخر مفاجآت يوم المباراة.

بعد ساعات من التداريب والمباراة والمنطقة المختلطة والبلاطو، انتهى بنا الأمر إلى نقاش طريف مع سائق قرر أن يحدد بنفسه قيمة إكراميته.

لم نكن نملك كثيراً من الطاقة لمواصلة الجدال. ضحكنا على الموقف، وحملنا معنا قصة جديدة من قصص هيوستن.