الحلقة 28: بوسطن تحت المطر.. يوم التداريب قبل مواجهة فرنسا
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الثلاثاء 8 يوليوز – أجواء مختلفة في المدينة قبل ربع النهائي
بعد أيام قليلة، وجدنا أنفسنا من جديد في بوسطن، المدينة التي سبق أن احتضنت مباراة المغرب أمام اسكتلندا في دور المجموعات. كانت العودة هذه المرة مختلفة تماماً، فالمنافس لم يعد اسكتلندا، والمرحلة لم تعد دور المجموعات، بل ربع النهائي، والخصم هذه المرة هو فرنسا.منذ وصولنا، كان واضحا أن أجواء المدينة تغيرت بالنسبة لنا. في الزيارة الأولى كانت الحسابات مرتبطة بمباريات المجموعة والتنقلات وبرنامج التغطية اليومي، أما الآن فكل شيء تقريبا يدور حول مباراة واحدة: المغرب وفرنسا.
بوسطن.. الهدوء الذي يسبق الموعد الكبير
رغم أن بوسطن بدت أكثر هدوءا من بعض المدن التي مررنا بها خلال الرحلة، فإن أجواء المنتخب والصحفيين المغاربة كانت مختلفة. الأحاديث في الفندق وفي أوقات الاستراحة كانت كلها تقريباً تصب في اتجاه واحد: هل يستطيع المنتخب مواصلة المغامرة والوصول إلى نصف النهائي؟
كانت هناك ثقة واضحة بين الزملاء، وتفاؤل بأن المنتخب قادر على الذهاب بعيدا. وحتى الفطور، الذي كان عاديا وبسيطا، تحول كعادته إلى فرصة قصيرة لتبادل الأخبار والانطباعات قبل بداية يوم جديد من العمل.
لم يكن هناك وقت كبير للسياحة أو لاكتشاف بوسطن. نحن هنا من أجل المنتخب، وكل ساعة تقريبا أصبحت مرتبطة ببرنامج التداريب، المؤتمرات الصحفية، التنقلات وإنجاز المواد الصحفية.
برنامج التداريب.. والحساب يبدأ من جديد
مع اقتراب موعد الحصة التدريبية، بدأت تفاصيل البرنامج تصل تباعاً عبر مجموعة الوفد الإعلامي.
كان مقررا أن تنطلق الحصة التدريبية في الساعة الخامسة مساء بمركز تداريب نيو إنغلاند ريفولوشن، مع فتح أول 15 دقيقة أمام وسائل الإعلام لالتقاط الصور، قبل المرور إلى اخذ التصريحات مع لاعبين في المنطقة المختلطة.
كالعادة، لم يكن الوصول إلى الملعب مجرد ركوب الحافلة والانطلاق. المسافة، حركة السير، وحجم الحافلة كلها عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار.
بدأ النقاش حول توقيت المغادرة. أحد الزملاء اقترح الثالثة بعد الظهر، فيما كانت تطبيقات الملاحة تعطي تقديرات مختلفة لزمن الوصول. آخرون نبهوا إلى أن الحافلة الكبيرة قد تحتاج وقتاً أطول بسبب حركة السير، فطُرح توقيت الثالثة إلا ربعاً، ثم استقر النقاش في النهاية على أن تكون المغادرة في حدود الثالثة والنصف.
هذه التفاصيل الصغيرة أصبحت جزءاً من يومياتنا في المونديال. فكل رحلة بالحافلة تحتاج إلى حساب دقيق، خصوصاً عندما يكون البرنامج الإعلامي مرتبطاً بدقائق محددة.
بوسطن تمطر.. والتداريب مستمرة
لكن الطقس قرر أن يضيف فصلاً آخر إلى هذا اليوم.
مع اقتراب موعد التداريب، بدأت الأمطار تنزل بغزارة على بوسطن. لم تكن مجرد زخات عابرة، بل أمطارا قوية جعلت التنقل والعمل في الخارج أكثر صعوبة.
بالنسبة لنا كصحفيين، لم يكن هناك خيار آخر. المعدات يجب أن تبقى جاهزة، والهواتف والكاميرات في متناول اليد، والحصة التدريبية لا تنتظر تحسن الطقس.
كان المشهد مختلفا عن الأيام السابقة التي عشنا فيها حرارة ورطوبة في مدن أخرى. هنا، المطر هو الذي فرض نفسه على التغطية.
ومع ذلك، استمر الجميع في أداء عمله. فالمباراة أمام فرنسا أصبحت قريبة، وأي تفصيل يمكن أن يساعد في بناء الصورة الأخيرة قبل ربع النهائي كان مهما.
من المنطقة المختلطة إلى تفاصيل المواجهة
بعد الجزء المفتوح من التداريب، كان الموعد مع المنطقة المختلطة ومقابلات اللاعبين.
في مثل هذه اللحظات، يحاول كل صحفي أن يحصل على تصريح مختلف، أو زاوية جديدة، أو معلومة تساعده في إعداد مادته. الأسئلة نفسها قد تتكرر بين وسائل الإعلام، لكن طريقة طرحها واللحظة التي تختار فيها السؤال قد تصنع الفرق.
كان واضحا أن اللاعبين بدورهم يعيشون أجواء المباراة. فرنسا ليست خصما عاديا، والوصول إلى ربع النهائي جعل كل التفاصيل أكثر أهمية.
نحن أيضاً كنا نشتغل تحت ضغط الوقت. مقابلات، ملاحظات، تسجيلات، صور، ثم العودة إلى الفندق لإنجاز المواد وإرسالها قبل أن تبدأ دورة جديدة من العمل.
من مفكرة الصحفي
في نهاية اليوم، وأنا أستعيد تفاصيل هذه العودة إلى بوسطن، اكتشفت أن هذه المدينة بدأت تأخذ مكاناً خاصا في هذه الرحلة. ربما لأننا عشنا فيها محطات مهمة، وربما لأن هدوءها، شوارعها، أجواءها وتفاصيلها جعلتني، بصراحة، أقع في غرامها.
في المرة الأولى، جئنا إلى بوسطن لخوض مباراة أمام اسكتلندا في دور المجموعات، ولم أكن أتوقع أن أعود إليها وأنا أحمل هذا الإحساس تجاه المدينة. هذه المرة، عدنا من أجل ربع النهائي أمام فرنسا، وبين الزيارتين تغيّر الكثير، سواء في مسار المنتخب أو في نظرتي أنا إلى المكان.
حتى المطر الغزير، الذي رافق يوم التداريب لم يفسد شيئاً من سحر بوسطن بالنسبة لي. بالعكس، منحها وجها آخر، أكثر هدوءا ورومانسية، وجعلني أكتشف أنني فعلا وقعت في غرام هذه المدينة.
وربما لهذا السبب، كان من الصعب أن أتجاهل شعورا صغيرا وأنا أغادر يوم التداريب: كنت أتمنى لو أن رحلتنا في بوسطن تمتد لأيام أخرى.