الحلقة 33 والأخيرة: 32 يوما خلف خط التماس...ما الذي بقي بعد المونديال؟
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
الخاتمة – على أجنحة العودة إلى الوطن
عندما جلست أخيرا في مقعد الطائرة، وأصبحت المسافة بيننا وبين الولايات المتحدة تتسع شيئا فشيئا، شعرت أنني لا أعود من تغطية صحفية عادية.كنت أعود من 32 يوما عشناها بالكامل داخل المونديال.
في بداية الرحلة، كنا نعد الأيام التي تفصلنا عن المباريات...كنا ننتظر كل محطة، وكل مدينة، وكل مواجهة جديدة.
وفي النهاية، أصبحنا نعد الساعات التي تفصلنا عن المغرب.
بين البداية والنهاية، تغير الكثير..
تغيرت المدن، والفنادق، والمواعيد، وحتى طريقة نظرنا إلى الرحلة نفسها. في البداية كان كل شيء جديدا ومليئا بالحماس. وبعد أسابيع، أصبحنا نعرف المطارات، ومسارات الحافلات، ومواعيد الرحلات، ونعرف كيف نصل إلى الملعب ونعود منه ونحن نفكر في المادة التي يجب أن تنشر قبل أن نصل حتى إلى الفندق.
هذه هي الصحافة الميدانية...لا تعطيك الكثير من الوقت لتلتقط أنفاسك.
أكثر من 20 ألف كيلومتر
بعد العودة، بدأت أنظر إلى الرحلة من زاوية مختلفة.
خلال أيام المونديال، لم نكن نفكر في المسافات...كان كل ما يشغلنا هو الوصول في الوقت المناسب.
لكن عندما تجمع كل شيء، تكتشف أننا قطعنا أكثر من 20 ألف كيلومتر خلال هذه الرحلة، بين الطائرات والحافلات والتنقلات المختلفة.
أكثر من 11 ألفاً و600 كيلومتر في رحلتي الذهاب والعودة بين المغرب والولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي.
ثم أكثر من 8 آلاف و500 كيلومتر من التنقلات الداخلية بين المدن الأمريكية والمكسيكية، من نيويورك وبوسطن إلى أتلانتا وهيوستن وأورلاندو، وصولا إلى مونتيري ثم العودة.
أرقام كبيرة. لكنها، في الحقيقة، لا تقول كل شيء.
لأن المسافة الحقيقية لم تكن فقط في عداد الطائرة أو الحافلة.
كانت أيضا في ساعات الانتظار، وفي الاستيقاظ المبكر، وفي العودة المتأخرة إلى الفندق، وفي الانتقال من مدينة إلى أخرى ثم فتح الحاسوب والبدء في العمل من جديد.
كانت في تلك المرات التي كنا نصل فيها منهكين، لكن علينا أن نكتب ونراجع وننشر.
ثم ننام ساعات قليلة ونبدأ من جديد.
54 صحفيا.. وأسرة واحدة..
خلال هذه الرحلة، وجدت نفسي أيضاً أتعرف إلى جانب آخر من المهنة.
كنا 54 صحفية وصحفيا مغربيا في هذه المغامرة.
بعض الوجوه كنت أعرفها منذ سنوات، وبعضها التقيته للمرة الأولى.
ومع مرور الأيام، بدأت المسافة المهنية بيننا تختفي شيئا فشيئا.
في الغربة، تتغير الأشياء. تتقاسم مع زميل لا تعرفه جيدا في البداية وجبة سريعة، أو تنتظران معا حافلة متأخرة، أو تتبادلان معلومة قبل مؤتمر صحفي، أو تضحكان على موقف بسيط بعد يوم طويل.
وفجأة يصبح ذلك الزميل جزءا من تفاصيل الرحلة.
حتى لحظات القلق والتعب كان لها مكانها في ذاكرتنا.
إنذار الفندق.
الارتباك في التنقل.
مشاكل الإنترنت.
ونكتة "انتهاء الرصيد" التي تحولت في بوسطن إلى واحدة من تلك التفاصيل الصغيرة التي تضحك كلما تذكرناها.
هذه الأشياء قد تبدو هامشية بالنسبة لمن يقرأ عنها، لكنها بالنسبة لمن عاشها تصبح جزءاً من القصة.
الصحافة التي لا تظهر في الخبر..
خلال هذه الرحلة، تأكدت مرة أخرى أن ما يصل إلى القارئ لا يمثل إلا جزءا صغيرا مما يعيشه الصحفي في الميدان.
القارئ يرى الخبر.
يرى الصورة.
يشاهد الفيديو.
لكن خلف كل ذلك هناك سفر وانتظار وتعب وتوتر وأحيانا ارتجال.
هناك صحفي يصل إلى الملعب قبل ساعات، فقط لكي يكون في المكان المناسب.
وهناك آخر يعود إلى الفندق متأخرا ليكتب مادة يجب أن تكون جاهزة في أسرع وقت.
وهناك من يعمل وهو يفكر في أن أمامه بعد ساعات رحلة جديدة أو مباراة جديدة.
ربما لهذا السبب تبدو التغطية الميدانية مختلفة عندما تعيشها بنفسك.
تكتشف أن الصحافة ليست فقط ما تكتبه، وإنما أيضا كل ما تفعله لكي تتمكن من كتابة ما تكتبه.
شكراً لمن كانوا خلف الرحلة..
لا يمكن أن أنهي هذه اليوميات من دون كلمة شكر لكل من ساهم في جعل هذه التجربة ممكنة.
الشكر لجمعية الناشرين على التنظيم والتأطير خلال انطلاقة الرحلة.
والشكر الخاص لإدارة مؤسسة مجموعة "لوماتان"، وعلى رأسها المدير العام ومدير النشر محمد الهيتمي، ومدير التحرير سهيل النحيلي، على الدعم والثقة والتشجيع.
والشكر أيضا لكل زميلات وزملاء "لوماتان سبورت" و"الصحراء المغربية"، الذين واصلوا العمل من المغرب، وساندوا التغطية، وتحملوا ضغط الأيام الطويلة حتى تبقى منابرنا حاضرة بكل قوة خلال البطولة.
فالصحفي الذي يوجد في الميدان ليس وحده، فخلفه دائما فريق يعمل... يتابع...يراجع...ينشر، ويستمر في العمل عندما يكون هو في الطائرة أو الحافلة أو الملعب.
وهذه الرحلة كانت ثمرة عمل جماعي قبل أن تكون تجربة شخصية.
ماذا تعلمنا استعداداً لـ2030؟
ربما أهم سؤال بعد كل هذه التجربة ليس: كم مباراة غطينا؟، ولا كم كيلومتر قطعنا؟
بل ماذا سنفعل بكل ما تعلمناه؟
المونديال المقبل سيكون مختلفا بالنسبة لنا.
لن نكون فقط صحفيين مغاربة يسافرون إلى بلد آخر لتغطية كأس العالم.
في 2030، سيكون المغرب أحد البلدان المستضيفة للمونديال، إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
وهذا يرفع سقف المسؤولية.
التجربة التي عشناها في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا يجب ألا تبقى مجرد ذكريات جميلة أو قصصا نرويها بعد سنوات.
علينا أن نحولها إلى دروس.
في التنظيم...في العمل الميداني...في التغطية الرقمية...في سرعة إنتاج المحتوى...وفي الحضور الإعلامي، الذي لا يرتبط فقط بنتيجة المنتخب، وإنما بالحدث الرياضي بكل تفاصيله.
الحدث الكبير يستحق أن يُغطى حتى النهاية.
ومونديال 2030 سيكون حدثا أكبر بالنسبة إلى الإعلام المغربي، ولذلك يجب أن نكون مستعدين له من اليوم.
الآن، وبعد أن انتهى كل شيء، أستطيع أن أقول إنني لم أعد من المونديال بالأخبار والصور فقط...عدت بذكريات...بأسماء ووجوه...بمدن كثيرة...بآلاف الكيلومترات...
وبعدد لا يحصى من المواقف التي لن تظهر في أي خبر كتبناه
شكراً لكل من رافقني في هذه الرحلة... وإلى موعد آخر، ومغامرة أخرى، وربما إلى مونديال 2030، وهذه المرة من المغرب.