الحلقة23: مرحباً هيوستن.. من حكايات المطار إلى عزلة «Crowne Plaza Galleria»

لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.

الحلقة23: مرحباً هيوستن.. من حكايات المطار إلى عزلة «Crowne Plaza Galleria»


الاربعاء 1 والخميس 2 يوليوز– رحلة العبور واستراحة المحارب في تكساس

كان صباح مغادرتنا لمونتيري هادئاً في ظاهره، لكنه حمل معه كالعادة بعض التفاصيل التنظيمية التي تسبق أي رحلة داخل هذه المغامرة المونديالية. وكالعادة، وصلتنا رسالة عبر المجموعة الخاصة بالوفد الصحفي:"الزملاء والزميلات الكرام، صباح الخير. خاصنا نديرو check out ما بين 11:30 و12:00، وغانبقاو فلوطيل حتى تجي الحافلة مع 14:30 باش نمشيو للمطار."

لم يكن أمامنا سوى ترتيب الأمتعة وإنهاء إجراءات المغادرة في الوقت المحدد. وبعد ذلك، وجدنا أنفسنا ننتظر الحافلة تحت شمس مونتيري القوية، التي بدت وكأنها تريد أن تترك لنا ذكرى أخيرة عن أيامها الحارة والثقيلة.

تأخرت الحافلة قليلاً، لكن ذلك لم يسبب لنا قلقاً كبيراً، خصوصاً أن رحلة العودة إلى الولايات المتحدة كانت مقررة مساءً. ومع ذلك، كان واضحاً أن الجميع يتطلع إلى مغادرة المكسيك والعودة إلى أجواء مختلفة، بعدما عشنا في مونتيري أياماً حافلة بالتنقل والضغط والحرارة.

ملهمة المكسيك.. عشق الوطن لا يعترف بالسن

في مطار مونتيري، وبينما كنا ننهي إجراءات السفر، كانت لنا واحدة من أكثر اللقاءات التي تختصر معنى التشجيع المغربي.

التقينا بسيدة مغربية في عقدها السابع، تنحدر من الدارالبيضاء، وبدت منذ اللحظة الأولى خفيفة الظل ومفعمة بالحيوية. اكتشفنا أنها فاعلة جمعوية، وجاءت إلى المكسيك في رحلة لم تكن مبرمجة من قبل، فقط من أجل الوقوف إلى جانب "الأسود" وتشجيعهم.

ورغم مشقة السفر وصعوبة المشي لمسافات طويلة، لم يكن ذلك كافياً لثنيها عن خوض الرحلة.

لم تتمكن من العثور على رحلة مباشرة إلى هيوستن، كما كان الحال بالنسبة إلينا، فاختارت طريقا أكثر تعقيدا: من مونتيري إلى غوادالاخارا، ثم مواصلة الرحلة نحو هيوستن.

كانت حكايتها الصغيرة في المطار تختصر شيئاً كبيراً في شخصية المشجع المغربي؛ ذلك الارتباط بالمنتخب الذي لا تحكمه لا المسافة ولا السن ولا التعب. المهم أن تكون قريباً من "الأسود" عندما يتعلق الأمر بموعد الوطن.

تفتيش إضافي قبل الإقلاع

وكما يحدث أحياناً للمسافرين المتوجهين إلى الولايات المتحدة، خضع بعض أفراد الوفد لإجراءات أمنية إضافية داخل المطار.

نودي على أسماء عدد من الزملاء عبر مكبر الصوت، ليخضعوا لفحص إضافي شمل الأمتعة والمعدات قبل السماح لهم بالتوجه نحو بوابة الصعود.

مرت العملية دون مشاكل تذكر، وانتهى الأمر بالتحاق الجميع بالطائرة.

وبمجرد الإقلاع، بدأ التعب المتراكم يظهر على الوجوه. كانت أيام مونتيري قد استنزفت الكثير من الطاقة، ولذلك تحولت الرحلة إلى فرصة للهدوء واستعادة الأنفاس. أغلقت الهواتف، وخفتت الأحاديث، بينما اختار معظم أفراد الوفد استغلال ساعات الرحلة للراحة والنوم.

مرحباً هيوستن.. صفحة جديدة في التغطية

بعد ساعات قليلة، بدأت أضواء هيوستن تظهر من نوافذ الطائرة. وصلنا إلى الأراضي الأمريكية من جديد، وكأننا نطوي بذلك صفحة كاملة من الرحلة المكسيكية بكل تفاصيلها، ونفتح أخرى في ولاية تكساس.

كانت الحافلة في انتظارنا، لتنطلق بنا عبر الطرقات الواسعة لهيوستن في اتجاه مقر إقامتنا الجديد: فندق "Crowne Plaza Galleria".

بعد الوصول واستلام الغرف، اكتشفنا سريعاً أن الفندق يوجد في منطقة غاليريا، بعيداً نسبياً عن وسط هيوستن ومناطق الحركة الرئيسية في المدينة.

في البداية، بدا الموقع وكأنه سيضيف عبئاً لوجستياً جديداً إلى برنامجنا، خصوصاً أن التنقل أصبح يحتاج إلى تخطيط مسبق وحساب دقيق للوقت. لكن لهذا البعد وجه آخر أيضاً.

فبعد أيام عشنا خلالها على إيقاع المطارات والحافلات والملاعب والمؤتمرات والتنقل المستمر، وجدنا أنفسنا في مكان أكثر هدوءاً، بعيداً عن صخب وسط المدينة وقليل الإضاءة في معظم أرجاء المدينة .

كانت تلك الليلة بمثابة استراحة حقيقية للمحارب.

لا برامج، لا تنقلات، ولا سباق مع الزمن. فقط غرفة هادئة، سرير ينتظر من أنهكهم السفر، وقليل من الوقت لاستعادة الطاقة قبل أن تبدأ محطة جديدة من رحلة المونديال.

وهكذا، لم تكن هيوستن بالنسبة إلينا مجرد محطة جديدة على الخريطة، بل كانت أيضاً فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أيام مكثفة في المكسيك، قبل العودة من جديد إلى أجواء التغطية والملعب و"الأسود".