لم يكن صباح الثلاثاء عاديا في غرف تحرير الصحف الرياضية بإسبانيا ولا في أمريكا اللاتينية. لم يكن السؤال كيف فاز المغرب على هولندا، بل لماذا بدا المنتخب الهولندي وكأنه يخشى المغرب أكثر مما يخشاه المغرب نفسه.
انتهت المواجهة كما تنتهي المباريات الكبيرة؛ بركلات الترجيح، لكن بدايتها كانت قد كتبت قبل ذلك بوقت طويل. فمنذ الدقائق الأولى لاحظت الصحف أن المنتخب الهولندي، صاحب المدرسة الهجومية العريقة، تخلى عن كثير من شخصيته المعتادة، واختار الحذر أمام منتخب أصبح يفرض الاحترام قبل أن يفرض النتيجة.
في إسبانيا، لم يكن عنوان صحيفة «إل باييس» احتفاليا بقدر ما كان اعترافا بالواقع الجديد. الصحيفة كتبت أن المغرب "فعلها مرة أخرى"، وأطاح بهولندا بفضل الحارس ياسين بونو الذي تحول إلى بطل جديد لليلة مونتيري، معتبرة أن المنتخب المغربي كان الأفضل خلال فترات طويلة من المباراة واستحق أن يبقى حيا حتى خطف بطاقة التأهل.أما المواقع الرياضية الناطقة بالإسبانية، فقد اختارت لغة أكثر مباشرة. منصة VAVEL كتبت أن "أسود الأطلس أطاحوا بأحد المرشحين"، فيما وصفت المباراة بأنها واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة، ليس فقط بسبب ركلات الترجيح، ولكن بسبب الشخصية التي أظهرها المغرب عندما عاد في الدقيقة الأخيرة، وكأنه يرفض الاعتراف بالهزيمة.
وفي أمريكا اللاتينية، بدا المشهد مختلفا قليلا. فالمكسيكيون تابعوا المباراة من زاوية خاصة، إذ استعاد كثير من المعلقين ذكرى مونديال 2014 عندما أقصت هولندا منتخبهم بعد ركلة جزاء مثيرة للجدل، ولذلك لم يخف كثير من المشجعين تعاطفهم مع المغرب داخل مدرجات مونتيري، وهو ما التقطته الصحف الإسبانية أيضا.
وفي الأرجنتين والبرازيل، لم يكن التركيز على ركلات الترجيح وحدها، بل على شخصية المنتخب المغربي. عدد من المحللين اعتبروا أن المغرب أصبح يشبه منتخبات أمريكا الجنوبية الكبيرة؛ فريق لا يستسلم، ويقاتل حتى الثانية الأخيرة، ويعرف كيف يحول الضغط إلى سلاح ضد منافسه. هذا الوصف تكرر بصيغ مختلفة في تغطيات إعلامية رياضية بعد المباراة.
لكن أكثر ما أثار اهتمام الصحافة الإسبانية لم يكن هدف التعادل ولا ركلة الترجيح الأخيرة، بل الطريقة التي لعب بها رونالد كومان المباراة.
مدرب هولندا خرج بعد الإقصاء ليقول إنه لو عاد الزمن لاتخذ القرارات نفسها، رغم الانتقادات التي طالته بسبب اعتماده أسلوبا دفاعيا غير معتاد. أما محمد وهبي، فكان أكثر هدوءا، إذ قال إنه فوجئ بالطريقة الدفاعية التي لعب بها المنتخب الهولندي، معتبرا ذلك "دليلا على احترام المغرب". جملة قصيرة، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر التصريحات تداولا بعد المباراة.
بونو يهزم "عقدة أوروبا"
بعض المعلقين الإسبان كتبوا أن ركلات الترجيح أصبحت "منطقة نفوذ مغربية"، بينما علق آخرون مازحين بأن أي منتخب يصل إلى ركلات الترجيح أمام بونو "عليه أن يبدأ في كتابة رسالة الوداع". أما على منصات التواصل الناطقة بالإسبانية، فقد انتشرت تعليقات ساخرة تقول إن المهاجمين الهولنديين كانوا يسددون الكرة وهم يرون بونو "أكبر من المرمى". وهي تعليقات عكست أكثر مما اخترعت، لأن الحارس المغربي أصبح بالفعل مرجعا عالميا في هذا النوع من المواجهات.
ولم تسلم هولندا من السخرية. إحدى أكثر التعليقات تداولا بين جماهير الكرة باللغة الإنجليزية والإسبانية قالت: "هولندا وركلات الترجيح... ثنائي لا ينفصل"، في إشارة إلى التاريخ الطويل للمنتخب البرتقالي مع الإقصاءات المؤلمة من نقطة الجزاء. بينما كتب آخرون أن المغرب لم يهزم هولندا فقط، بل هزم أيضا "عقدة أوروبا".
وسط كل ذلك، بدا أن العالم الكروي يتفق على حقيقة واحدة. فقبل أربع سنوات كان المغرب يسمى "مفاجأة قطر". اليوم لم يعد أحد يستخدم هذه العبارة. حتى محمد وهبي قالها بوضوح بعد المباراة: "المغرب كسب احترام الجميع". والأهم من ذلك أن الصحافة الأجنبية لم تناقش ما إذا كان المغرب يستحق الفوز، بل بدأت تناقش إلى أي مدى يمكن أن يذهب في هذه البطولة. وبالتالي فقد انتقل منتخب الأسود من خانة المنتخب الذي يفاجئ العالم، إلى خانة المنتخب الذي يخشاه العالم.
"فعلوها مرة أخرى".. الصحافة الناطقة بالإسبانية تشيد بالمغرب وتسخر من "الطواحن"
حظي تأهل المنتخب المغربي إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 على حساب هولندا باهتمام واسع في وسائل الإعلام الناطقة بالإسبانية، التي أشادت بشخصية "أسود الأطلس" وقدرتهم على قلب الموازين، فيما سلطت الضوء على الأداء الحذر الذي اعتمده المنتخب الهولندي.