"ماركا"... لماذا يعاني البرازيل من الإخفاق منذ عقدين؟

البرازيل، منتخب البرازيل، السيليساو، كرة القدم البرازيلية، كارلو أنشيلوتي، رونالدو، فينيسيوس جونيور، ليونيل ميسي، كأس العالم، كوبا أمريكا، انتقالات اللاعبين، مرصد كرة القدم الدولي، المواهب البرازيلية، الدوري البرازيلي.

"ماركا"... لماذا يعاني البرازيل من الإخفاق منذ عقدين؟
لا تزال البرازيل تحتفظ بمكانتها كأكبر مُصدّر للاعبي كرة القدم في العالم. ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن مرصد كرة القدم الدولي، الذي رصد حركة انتقالات اللاعبين بين عامي 2020 و2025 في 135 بطولة، ينشط أكثر من ثلاثة آلاف لاعب تلقوا تكوينهم في البرازيل خارج حدود البلاد، متقدمة بفارق كبير على فرنسا صاحبة المركز الثاني، فيما جاءت الأرجنتين ثالثة.

ويؤكد هذا المعطى استمرار البرازيل في إنتاج المواهب بوتيرة استثنائية، إذ لا يقتصر حضور لاعبيها على الملاعب الأوروبية، بل يمتد إلى آسيا ومختلف بطولات أمريكا الجنوبية. غير أن هذا التفوق في صناعة اللاعبين يتناقض بشكل صارخ مع النتائج التي يحققها المنتخب البرازيلي، الذي يعيش أطول فترة فراغ في تاريخه الحديث.

فمنذ التتويج بكأس العالم 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، بقيادة رونالدو نازاريو الذي أنهى البطولة هدافًا، لم يتمكن "السيليساو" من استعادة أمجاده.

فقد خرج من ربع نهائي مونديال 2010، ثم تلقى الهزيمة التاريخية أمام ألمانيا بنتيجة 7-1 في نصف نهائي نسخة 2014 على أرضه، قبل أن يودع نسختي 2018 و2022 من الدور ذاته، ويتراجع أكثر في النسخة الأخيرة بعد فشله حتى في بلوغ ربع النهائي.

"ماركا"... لماذا يعاني البرازيل من الإخفاق منذ عقدين؟


وهكذا مرت ست نسخ متتالية من كأس العالم دون أن يصل المنتخب البرازيلي إلى المباراة النهائية، وهو أمر غير مسبوق بالنسبة لدولة تعتبر كرة القدم جزءًا من هويتها الوطنية.

ولا تتوقف المعاناة عند كأس العالم، بل تمتد إلى بطولة كوبا أمريكا. فعلى الرغم من احتلال البرازيل المركز الثالث في قائمة أكثر المنتخبات تتويجًا باللقب برصيد تسعة ألقاب، فإن حصيلتها خلال السنوات التسع عشرة الماضية اقتصرت على لقب وحيد تحقق عام 2019، قبل خسارة نهائي 2021 أمام الأرجنتين، ثم الخروج من ربع نهائي نسخة 2024 التي استضافتها الولايات المتحدة.

وخلال هذه الفترة، تعاقب على تدريب المنتخب تسعة مدربين، بين دائمين ومؤقتين، وقد يرتفع العدد قريبًا إلى عشرة.

وفي المقابل، نجحت الأرجنتين، رغم امتلاكها عددًا أقل من السكان وإمكانات اقتصادية محدودة مقارنة بالبرازيل، إضافة إلى وجود نحو ألف لاعب محترف أقل في الخارج، في بناء مشروع كروي متكامل أثمر التتويج بكأس العالم 2022، وإحراز عدة ألقاب في كوبا أمريكا، بقيادة النجم ليونيل ميسي.

هذا التباين يفرض سؤالًا محوريًا: لماذا تعجز البرازيل عن تحويل ثروتها البشرية الهائلة إلى نجاحات على مستوى المنتخب الأول؟

ويكشف مصدر من داخل الوسط الكروي البرازيلي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن الأزمة تتجاوز هوية المدرب أو جودة الجيل الحالي، موضحًا "البرازيل لم تعد تنتج لاعبين في ستة مراكز أساسية داخل الملعب. نعاني نقصًا في الظهيرين الأيمن والأيسر، ولاعب الارتكاز الدفاعي، ولاعب الوسط الهجومي، وصانع الألعاب، ورأس الحربة. باختصار، نفتقد أصحاب الأرقام 2 و5 و6 و8 و9 و10".

ويبدو أن المنتخب البرازيلي فقد تدريجيًا هويته الكروية. ففي الوقت الذي بنت فيه إسبانيا مشروعها على فلسفة يوهان كرويف وإرث برشلونة، تخلت البرازيل عن أسلوبها الجماعي الذي صنع أمجاد بيليه وغارينشا وزيكو وكاكا ورونالدينيو، وأصبحت تعتمد بصورة أكبر على المهارات الفردية، سواء في حقبة نيمار أو مع فينيسيوس جونيور حاليًا.

وفي الوقت نفسه، شهدت منتخبات مثل كولومبيا وأوروغواي تطورًا ملحوظًا، لتصبح المنافسة في أمريكا الجنوبية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ورغم ذلك، فإن جذور الأزمة لا تكمن في تكوين اللاعبين. فالبرازيل لا تزال تتربع على عرش الدول المصدرة للمواهب، وتواصل أكاديمياتها وملاعب الأحياء تخريج لاعبين يجذبون اهتمام أكبر الأندية الأوروبية والآسيوية.

وخلال عام 2025 وحده، بلغت عائدات الأندية البرازيلية من بيع اللاعبين نحو 727 مليون دولار، فيما وصلت القيمة الإجمالية لانتقالات اللاعبين البرازيليين عالميًا إلى 2.6 مليار دولار خلال عام 2024.

ويشبه بعض المتابعين ما تعيشه الكرة البرازيلية بما حدث لرياضة الهوكي على العشب في الهند. فالهند هيمنت لعقود على اللعبة، لكنها تراجعت بشدة بعد انتقال المنافسات إلى الملاعب الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي، لعدم جاهزية بنيتها التحتية، قبل أن تعود إلى منصات التتويج بعد سنوات طويلة.

أما في البرازيل، فلم تتغير أرضية الملاعب، وإنما تطورت كرة القدم نفسها، بينما ظل الاعتقاد السائد بأن اللاعب البرازيلي يولد بموهبته الفطرية، في وقت قطعت فيه بقية الدول خطوات كبيرة في مجالات التدريب والتخطيط والتكتيك.

ومن هنا، تبدو الأزمة مرتبطة بغياب الانسجام أكثر من غياب المواهب. فالبرازيل تمتلك عددًا هائلًا من اللاعبين المنتشرين في أقوى الدوريات العالمية، لكنها لم تنجح منذ أكثر من عقدين في تكوين منتخب قادر على استثمار هذه الإمكانات الجماعية. ويعكس متوسط أعمار المنتخب الحالي، الذي يبلغ 29.27 عامًا، جانبًا من المشكلة، إذ لا يتجاوزه سوى منتخبات إيران وبنما وكولومبيا وقطر والرأس الأخضر، بينما يبلغ متوسط أعمار منتخب إسبانيا 26.73 عامًا.

ويضيف المصدر: "ما زلنا ننتج عددًا كبيرًا من الأجنحة، مثل فينيسيوس ومارتينيلي وإستيفاو ورايان وأنتوني، لذلك لا نعاني في هذا المركز. لكننا توقفنا عن إنتاج رأس حربة عالمي، رغم عودة أهمية هذا الدور مع تألق إرلينغ هالاند.

وينطبق الأمر أيضًا على لاعب الارتكاز وصانع الألعاب القادر على التحكم في نسق المباراة، إذ لم يعد هناك وريث حقيقي للقميص رقم 10. وحتى الأظهرة، التي كانت تمثل إحدى علامات الكرة البرازيلية، أصبح كثير منها يتحول في أوروبا إلى قلوب دفاع أو لاعبي رواق، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في خصائص اللاعب البرازيلي".

"ماركا"... لماذا يعاني البرازيل من الإخفاق منذ عقدين؟


وفي ختام حديثه، رفض المصدر تحميل المدرب كارلو أنشيلوتي مسؤولية التراجع الحالي، مؤكدًا أن المشكلة أعمق من تغيير الجهاز الفني، قائلا "أنشيلوتي اعتاد تدريب فرق مليئة بالنجوم، لكنه وجد نفسه أمام منتخب يحتاج إلى إعادة بناء حقيقية، خاصة في المراكز التي لم تعد البرازيل تنتج فيها لاعبين من الطراز العالمي. فلا يوجد مدرب قادر على صناعة مهاجم رقم 9 أو صانع ألعاب رقم 10 إذا كان نظام التكوين نفسه لم يعد يفرز هذه النوعية من اللاعبين. إنها أزمة بنيوية، ولن يكون حلها سريعًا".