الحلقة 32 : آخر أنفاس المونديال...أزمة المقاعد وجولة الوداع في نيويورك
لم تكن كتابة هذه اليوميات ضمن خططي بعد العودة من مونديال 2026. بصراحة، كنت أعتقد أن التجربة ستبقى مجرد ذكريات وصور وملاحظات احتفظ بها لنفسي. لكن الفضل في خروجها إلى النور يعود، بعد الله، إلى زميلي وأستاذي وصديقي عزالدين مخلوفي، الذي لم يتوقف عن تشجيعي، وكان يردد باستمرار: "الناس يجب أن تعرف ما عشتموه هناك، فالمونديال ليس فقط ما يظهر على التلفزيون." ومع كل مرة كان يطرح فيها الفكرة، ازددت اقتناعاً بأن هذه التجربة تستحق أن تُروى.
كنا نظن أن كل شيء انتهى.
المباراة الأخيرة، الإقصاء، الحزن، ثم ليلة إضافية في نيويورك قبل العودة إلى المغرب.لكن حتى النهاية لم تكن سهلة.
صباح السبت، وبينما كنا نعتقد أن برنامج العودة أصبح واضحا، وصلنا خبر جديد قلب الحسابات من جديد.
المقاعد لم تكن كافية لجميع أفراد البعثة في الرحلة نفسها.
وبعد أسابيع من التنقل بين المدن والمطارات، وجدنا أنفسنا أمام آخر مفاجأة لوجستية في هذه الرحلة: سنعود إلى المغرب على مجموعتين.
30 يغادرون.. و21 ينتظرون
في حدود الساعة 23 مساء، وصلت الرسالة التي تخبرنا بأن 30 من أفراد الوفد سيغادرون مساء السبت، بينما ستبقى المجموعة الثانية، التي كنت واحدا من أفرادها، إلى صباح الأحد.
لم يكن أمامنا الكثير لنفعله.
الحقائب التي كنا قد أعدنا ترتيبها بالأمس، احتجنا إلى النظر إليها من جديد.
من سيغادر؟ من سيبقى؟ ومتى يجب أن نغادر الفندق؟
وكانت هناك تفاصيل صغيرة لكنها مهمة.
المجموعة الأولى كان عليها مغادرة الغرف وإتمام إجراءات المغادرة قبل الساعة 12:00 ظهرا، قبل التوجه بالحافلة إلى المطار في حدود الثالثة بعد الزوال.
أما من يتأخر في مغادرة الغرفة، فكان مهددا بغرامة قد تصل إلى 100 دولا...في تلك اللحظة، ضحكنا قليلا على المفارقة، حتى آخر ساعات المونديال، كان علينا أن نراقب الساعة.
هذه المرة لم يكن الأمر متعلقا بموعد مباراة أو ندوة صحفية، وإنما بموعد Check-out.
كانت هذه هي تفاصيل الرحلة التي لا تظهر في الصور ولا في التقارير، لكنها جزء من حياة أي بعثة إعلامية تسافر لأسابيع...وأنا كنت ضمن المجموعة المكونة من 21 شخصا التي بقيت... الذين تأجلت عودتهم إلى صباح الأحد علما ان موعد الطائرة كان في المساء.
في البداية، شعرت بشيء من الاستغراب...كنا نريد العودة إلى المغرب، وفجأة أصبح أمامنا يوم إضافي في نيويورك...لكن سرعان ما تغير الإحساس.
فكرنا في الأمر بطريقة مختلفة: لماذا لا نستغل هذه الساعات الأخيرة؟
منذ وصولنا إلى الولايات المتحدة، لم تكن لدينا فرصة حقيقية للتجول واكتشاف نيويورك كما يفعل السائح.
كنا دائما في سباق مع الوقت.
مباراة، تدريب، ندوة، حافلة، مطار، ثم مدينة أخرى.
والآن، ولأول مرة منذ بداية الرحلة تقريبا، لم يكن لدينا موعد ينتظرنا.
قررنا أن نخرج انا وأمين وسفيان.
نيويورك.. أخيرا من دون برنامج
كانت الجولة مختلفة عن كل تنقلاتنا السابقة.
هذه المرة لم نكن نبحث عن ملعب أو مركز إعلامي، ولم يكن علينا الوصول في ساعة محددة.
ركبنا العبارة، وتركنا المدينة خلفنا للحظات، بينما كان الماء يمنحنا ذلك الشعور الذي كنا نفتقده منذ أسابيع، الهدوء.
ومن بعيد بدأ تمثال الحرية يظهر أمامنا.
وقفت أتأمله وأفكر في المفارقة.
وصلنا إلى أمريكا من أجل كرة القدم، وعشنا خلالها بين الملاعب والفنادق والحافلات والمطارات، وها نحن في الساعات الأخيرة نكتشف واحدا من أشهر رموز البلد.
التقطنا الصور، ضحكنا، وتجولنا قليلا.
لم تكن الجولة طويلة، لكنها كانت كافية لتغيير المزاج.
بعد أسابيع من العمل، أصبحنا فجأة مجموعة من الصحفيين يستمتعون ببضع ساعات كأي زوار عاديين للمدينة.
واصلنا الجولة في اتجاه منطقة وول ستريت، حيث توقفنا أمام الثور الشهير.
كان المكان مزدحما بالزوار، وكل واحد يريد صورة مع التمثال.
التقطنا صورنا بدورنا.
ربما بدت لحظة عادية جدا، لكنها بالنسبة لي كانت من أجمل لحظات الرحلة.
ليس بسبب المكان فقط، وإنما لأننا كنا نعيشها من دون ضغط.
الساعات الأخيرة
مرت الساعات بسرعة.
كنا نعرف أن هذه هي آخر جولة لنا في نيويورك، وآخر ساعات لنا على الأراضي الأمريكية.
وبعد ذلك، عدنا إلى الفندق، جمعنا ما تبقى من أمتعتنا، واستعددنا للرحيل.
هذه المرة لم يكن هناك توتر مباراة ولا انتظار لنتيجة.
فقط ذلك الشعور الغريب الذي يرافق نهاية الرحلات الطويلة.
تبدأ الرحلة وأنت تعد الأيام الأولى.
ثم تمر الأيام بسرعة، وفجأة تجد نفسك تحاول إغلاق حقيبتك وتتأكد للمرة الأخيرة من جواز سفرك وشاحن هاتفك وأغراضك الصغيرة.
وفي الطريق إلى المطار، بدأت أستعيد المشاهد التي مرت أمامي خلال هذه الأسابيع.
مدن كثيرة.
فنادق مختلفة.
مئات الكيلومترات.
مباريات لا تُنسى.
انتصارات وأحزان.
لحظات ضغط.
وأخرى ضحكنا فيها رغم التعب.
وأشخاص تعرفنا إليهم وربما لن نلتقي بهم مرة أخرى.
كل ذلك كان ينتهي الآن.
إلى المغرب
في صباح الأحد، وصلنا إلى المطار.
هذه المرة لم تكن هناك وجهة أخرى بعدها.
لم يكن علينا التفكير في مدينة جديدة أو ملعب جديد أو موعد جديد.
كانت الوجهة واضحة: المغرب.
عندما جلست في مقعد الطائرة، شعرت لأول مرة أن المونديال انتهى فعلا.
ليس عندما أطلق الحكم صافرة نهاية مباراة فرنسا.
وليس عندما عرفنا أننا خرجنا من البطولة.
انتهى فعلا عندما أغلقت الطائرة أبوابها وبدأت تستعد للإقلاع.
نظرت من النافذة، وتركت الولايات المتحدة خلفي.
كان في داخلي شيء من الحزن، بسبب النهاية الرياضية التي كنا نتمنى أن تكون مختلفة، لكن كان هناك أيضا شعور بالرضا.
لقد عشنا المونديال من الداخل.
ركضنا وراء الأخبار، وقطعنا المسافات، وكتبنا، وصورنا، وانتظرنا، وتعبنا، وضحكنا، وغضبنا، وفرحنا.
وعشنا تفاصيل لن تظهر كلها في المواد المنشورة.
وهذا بالضبط ما يجعل الصحافة الميدانية مختلفة.
من مفكرة الصحفي.. آخر صفحة
وأنا أكتب السطور الأخيرة من هذه اليوميات، شعرت أنني لا أودع بطولة فقط.
كنت أودع 32 يوماً من الحياة داخل المونديال.
32 يوماً لم تكن كلها ملاعب ومباريات.
كانت أيضاً مطارات وحافلات وفنادق وانتظارا وتعبا ونقاشات وضحكات ومواقف صغيرة لا يعرفها القارئ الذي يرى فقط المادة المنشورة في الموقع.
كانت هناك لحظات اعتقدنا فيها أن الطريق طويل، ثم وجدنا أنفسنا في آخره.
وكانت هناك لحظات فرحنا فيها، وأخرى انكسر فيها شيء داخلنا بعد الإقصاء.
وفي النهاية، حتى العودة لم تخل من المفاجآت: مقاعد غير كافية، مجموعتان، موعدان مختلفان، وغرامة محتملة بـ100 دولار لمن يتأخر عن مغادرة غرفته.
ثم، بالنسبة الى المجموعة الثانية، كانت هناك مكافأة صغيرة غير متوقعة: يوم إضافي في نيويورك.
ركبنا الباخرة، وقفنا أمام تمثال الحرية، مررنا من وول ستريت، والتقطنا الصور.
ربما كانت تلك الطريقة التي احتجنا إليها لنقول للرحلة: شكراً... وإلى اللقاء.
عندما أقلعت الطائرة، فتحت هاتفي للحظة.
كانت الصور والرسائل والملاحظات التي جمعتها طوال هذه الأسابيع كلها أمامي.
أغلقت الهاتف.
قلت لنفسي إنني سأحتاج إلى وقت طويل حتى أستوعب كل ما عشناه.
وهكذا، بعد 32 يوماً، أغلقت دفتري.
انتهى المونديال بالنسبة لنا... لكن الحكايات التي تركها في الذاكرة لن تنتهي.